الحروب تدمر الطفولة: كيف تحمي اطفالك من اثارها النفسية المدمرة؟

الحروب تدمر الطفولة: كيف تحمي اطفالك من اثارها النفسية المدمرة؟

تخلف الحروب دمارا ماديا وخسائر بشرية فادحة، لكن الاثار النفسية التي تتركها على الاطفال قد تكون أشد وطأة، خاصة وأنهم في طور النمو.

ووفقا لدراسات عديدة، فان الحروب والصراعات المستمرة تعرض الاطفال لمشكلات نفسية جمة، مثل القلق والاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة.

وتلعب هذه المشكلات دورا كبيرا في اضعاف المناعة، ما يجعل اجسادهم عرضة للامراض المختلفة، وتؤثر سلبا على الجانب النفسي في مرحلة تكوين الهوية.

ويتعرض الاطفال خلال الحروب لاضطرابات نفسية عديدة، ابرزها اضطراب ما بعد الصدمة، الذي يرتبط غالبا بالاكتئاب والقلق ومشكلات سلوكية، وتختلف شدة التاثير بحسب العمر والجنس والظروف الاجتماعية والمادية، إضافة إلى دعم الوالدين والارتباط الروحي.

واجرى باحثون من جامعات في ايطاليا والمانيا مراجعة تحليلية نشرت في مجلة غلوبال بيدياتريكس، لدراسة الاثر النفسي للحروب على الاطفال في مناطق مثل فلسطين واوكرانيا، واظهرت النتائج ان التاثيرات النفسية تكون اشد لدى الاطفال النازحين الى مخيمات اللاجئين مقارنة بمن بقوا مع عائلاتهم في مناطقهم رغم الحرب.

ووفقا لنتائج الدراسة، لوحظ ان الاطفال في مناطق النزاع اعترتهم سلوكيات غير متعمدة، فسيطرت عليهم تصرفات عدوانية، وحالات من الهيجان والاندفاعية نتيجة الصدمة التي احدثت ضغطا نفسيا يصعب احتماله لديهم.

الحروب ومناعة الاطفال

يؤدي التعرض الطويل والمستمر لظروف الحروب الى زعزعة المناعة الداخلية للاطفال من خلال خلخلة الجهاز المناعي، او ذاك المرتبط بالاعصاب والغدد الصماء، وما يرتبط بهما من وظائف حساسة، الى جانب ما تتسبب به من اضطراب النوم، واعاقة نمو وتطور الخلايا الجسدية.

ويذكر ايضا في هذا الصدد التاثير غير المباشر للحروب والنزاعات على مناعة الجسم، اذ يترتب على مثل هذه الظروف احيانا سوء التغذية والميل للخمول وقلة الحركة، فتؤدي مجتمعة الى دك حصون المناعة في الجسم فتتركه عرضة للامراض المزمنة او تلك المؤقتة.

واظهرت دراسات عدة ان حدة الاثار النفسية السلبية التي يعاني منها الاطفال في هذه الظروف ترتبط مباشرة مع مدى تكرار وشدة ظروف الحرب التي يعايشونها.

فكلما كانت اعنف واطول كانت العواقب اكثر ضررا، بل ذهبت الابحاث الى ان مجرد العيش بجوار مناطق مهددة بالقصف ضمن محاور النزاعات يكفي بان يتسبب باضطرابات نفسية واضحة لدى الاطفال اليافعين.

تاثيرات على الذاكرة واللغة

الضغط النفسي المزمن الذي يتعرض له الاطفال مطولا ينشط عمل المحور الذي يجمع بين الغدد تحت المهاد، والنخامية، والكظرية، والذي بدوره اذا ما طال تنشيطه تختل معه وظائف عديدة مهمة فتعيق استكمال نمو ونضج الدماغ كما ينبغي له في هذه المرحلة، فتتضرر الذاكرة، وتنخفض القدرة على التركيز واكتساب اللغة.

كما تتدهور القدرات المعرفية والقدرة على اداء الوظائف المتعلقة بها، وكنتيجة يصبح الطفل اكثر عرضة للاصابة بالاكتئاب والقلق واضطرابات نفسية اخرى قد ترافقه مرورا بالمراهقة وربما حتى البلوغ، وذلك اذا لم تعالج.

كيف نعتني بنفسية اطفالنا؟

تشير التوصيات التي خرجت بها الدراسة الى ان الدعم العاطفي للاطفال في مناطق الحروب، والاستجابة الايجابية الدافئة التي يقدمها الوالدان لاطفالهم خلال الازمات والصراعات احد اهم الوسائل الوقائية لتخفيف حدة المشكلات التي قد تصيبهم وتعرقل نموهم.

واعتمدت الدراسة في توصياتها حول كيفية تقديم الرعاية للاطفال في مناطق الصراعات والنزاع على ما اقترحه نموذج بيتانكورت، والذي يرتكز على 3 اسس وفقا للفئات المستهدفة:

  • التدخلات الشاملة: تعنى بتعزيز الصحة النفسية لدى الاطفال بتثقيفهم وتعليمهم مهارات ووسائل تمكنهم من مواجهة الازمات والحروب التي قد تطرا حولهم، بتعزيز ثقتهم بانفسهم، وتمكينهم من التفكير الايجابي الذي يطغى معه التفاؤل على التشاؤم، والتي قد يكون لها عظيم الاثر في تخطي العقبات التي تطل براسها، كما تعنى بضمان تزويدهم بالمواد الغذائية اللازمة وقت الحروب، وتوفير السكن والحماية لهم.
  • التدخلات الموجهة: تستهدف الاطفال الذين يقبعون تحت وطاة الحروب وظروفها، ممن تعرضوا للنزوح وتغيير اماكن سكناهم، او اولئك الذين بدات تظهر عليهم اعراض الاضطرابات النفسية، وذلك من خلال اقحامهم ببرامج دعم تكسبهم مهارات معرفية وعاطفية للتعامل مع المشكلات التي يعانون منها.
  • التدخلات المتخصصة: ترتكز على مساعدة الاطفال الذين يعانون من اضطرابات شديدة نتيجة ما تعرضوا له، اما لعلاجهم او لمحاولة السيطرة على الحالة ومنع تفاقمها، وذلك من خلال جلسات تتضمن طرقا مختلفة من العلاج النفسي، مثل العلاج السلوكي المعرفي وغيرها.

وتجدر الاشارة الى ان الخبراء حددوا 5 عناصر اساسية لا بد من تعزيزها وتنميتها لدى المتضررين من الحروب والصدمات:

الشعور بالامان، والهدوء النفسي، والشعور بالقيمة والكفاءة وانعكاسها على الذات والمجتمع المحيط، والترابط والتواصل مع الاشخاص المحيطين، والشعور بالامل ودحر الاحباط.

الصلابة النفسية

في محاولة لالقاء الضوء على طرق اخرى للمساعدة التي يمكن تقديمها للاطفال في مناطق الحروب، اجرت مجموعة من الدارسين من جامعة تامبيري في فنلندا واخرين من الجامعة الاسلامية في غزة وغيرها دراسة تدخلية استهدفت اطفال غزة بعد حرب عام 2008، تراوحت اعمارهم بين 10 و13 عاما.

وركزت الدراسة على ما سمته المرونة النفسية في التعامل مع الظروف الصعبة كالازمات والحروب، وقد اظهرت الدور العظيم الذي قد تعكسه الاسرة بتالفها والعلاقات الدافئة بين الوالدين وابنائهم وطريقة التربية الرشيدة المبنية على اسس سليمة، وما يمكن ان تقدمه من صلابة نفسية تبني بداخل الاطفال حواجز صلبة تدرا عنهم الخطر النفسي الذي قد يشكله الفقد او معاينة مشاهد الدمار والقتل.

لا يمكن ان نسيطر على الظروف من حولنا في معظم الاوقات، خصوصا اذا ما كانت حروبا او صراعات عالمية، لكننا بالطبع نستطيع التحكم بردود افعالنا ومواجهة هذه الظروف لطرد الخطر النفسي الذي قد يقف حائلا بيننا وبين كثير من المشاعر التي تدفع بنا نحو الانجاز والسعادة، وهي -مما لا شك فيه- دروع يستطيع الاباء والامهات تزويد اطفالهم بها ليكبروا اصحاء نفسيا بغض النظر عما يحدث -وسيحدث- حولهم.