لم تعد صناعة الاغذية الحديثة تكتفي بتوفير الطعام، بل تعمل على تصميم اغذية تتحدى مقاومة الدماغ، فمقاومة المشروبات السكرية ورقائق البطاطس والبرجر والشوكولاتة لم تعد مجرد مسالة ارادة، بل معركة بيولوجية داخل الدماغ.
كثيرون يصفون رغبات ملحة وفقدانا للسيطرة واكلا قسريا ومحاولات فاشلة للتوقف عن بعض الاطعمة، وهي سلوكيات تشبه الادمان على المخدرات، فهل يمكن للطعام ان يسبب الادمان؟ ولماذا يبدو الدماغ عاجزا امام السكر والوجبات السريعة؟
يكمن الجواب في الدوائر العصبية القديمة التي تطورت لمساعدة الانسان على النجاة من المجاعة وندرة الغذاء، لكنها اليوم تتعرض للاستغلال في بيئة غذائية لم يعرفها اجدادنا.
الدماغ لم يصمم لعصر السوبر ماركت
على مر التاريخ، كان الطعام نادرا ويتطلب جهدا كبيرا للحصول عليه، لذلك تطور الدماغ البشري ليقدر الاطعمة الغنية بالطاقة كالعسل والدهون الحيوانية والفواكه الناضجة، وطور الدماغ انظمة مكافاة قوية تدفع الانسان لاستهلاك الاطعمة عالية السعرات كلما توفرت.
فعند تناول اطعمة غنية بالسكر او الدهون او الملح او الكربوهيدرات المكررة، يفرز الدماغ مادة الدوبامين، وهي ناقل عصبي مرتبط بالمتعة والتحفيز والتعلم وتعزيز السلوك، فالدوبامين لا يمنح الاحساس بالمتعة فقط، بل يعلم الدماغ تكرار السلوك الذي ادى الى المكافاة.
في الماضي، كان هذا النظام مفيدا للبقاء، ففي عالم تسوده المجاعة وندرة الغذاء، كان الاشخاص الذين تستجيب ادمغتهم بقوة للاطعمة الغنية بالطاقة اكثر قدرة على النجاة والتكاثر، لكن المشكلة ان الاطعمة فائقة المعالجة الحديثة تخترق هذه الدوائر العصبية القديمة بدرجة غير مسبوقة.
اليوم، لم يعد الانسان يصادف خلية عسل بين الحين والاخر، بل يعيش محاطا على مدار الساعة باطعمة مصممة صناعيا لتحقيق اقصى درجات الاستساغة المفرطة، عبر المزج الدقيق بين السكر والدهون والملح والقوام والرائحة والاحساس داخل الفم، مما يؤدي الى تحفيز مفرط لمراكز المكافاة في الدماغ.
انها ببساطة مواجهة بين بيولوجيا العصر الحجري وصناعة غذائية بمليارات الدولارات.
لماذا يؤثر السكر بقوة على الدماغ؟
يعتبر السكر من اكثر المواد الغذائية قدرة على تنشيط انظمة المكافاة العصبية، فقد اظهرت دراسات تصوير الدماغ ان الاطعمة السكرية تنشط مناطق مرتبطة بالمكافاة والتحفيز، كالنواة المتكئة والمنطقة السقيفية البطنية، وهما جزءان اساسيان من نظام الدوبامين المعروف بالمسار الميزوليمبي، ومع التعرض المتكرر للاطعمة فائقة التحفيز، قد تبدا هذه الدوائر العصبية في التغير تدريجيا.
ويرى بعض الباحثين ان الافراط المزمن في استهلاك الاطعمة فائقة المعالجة قد يؤدي الى تغيرات عصبية تشبه تلك التي تحدث في الادمان على المخدرات، مثل زيادة الرغبة الشديدة وتراجع الحساسية للمكافاة والاكل القهري والاستمرار في تناول الطعام رغم العواقب الصحية الخطيرة كالسمنة والسكري والكبد الدهني وامراض القلب والشرايين.
وقد قدمت الدراسات على الحيوانات ملاحظات مثيرة للاهتمام، اذ اظهرت بعض القوارض التي تعرضت للسكر بشكل متكرر سلوكيات تشبه النهم الغذائي واعراضا شبيهة بالانسحاب الى جانب تغيرات في انظمة الدوبامين.
ومع ذلك، لا يزال العلماء حذرين من المساواة المباشرة بين ادمان الطعام وادمان المخدرات، لان الطعام ضروري للحياة، والانسان لا يستطيع الامتناع الكامل عن الاكل كما يفعل مع المواد المخدرة، لكن كثيرا من الباحثين باتوا يعتقدون ان بعض الاطعمة فائقة المعالجة قادرة بالفعل على احداث سلوكيات شبيهة بالادمان لدى بعض الاشخاص الاكثر قابلية لذلك.
صناعة الاغذية تفهم الدماغ اكثر مما نعتقد
تستثمر شركات الاغذية مبالغ هائلة لفهم السلوك البشري واليات المتعة والمكافاة الحسية، فالمهندسون العاملون في تطوير الاغذية يعملون على الوصول الى ما يعرف بـ"نقطة النشوة"، اي المستوى المثالي من السكر والملح والدهون الذي يحقق اقصى درجات المتعة مع اقل قدر ممكن من الشبع.
كما تصمم كثير من الاطعمة فائقة المعالجة بحيث تستهلك بسرعة مع قوام طري او مقرمش ونكهات تنفجر سريعا داخل الفم، مما يسمح بتناول كميات كبيرة قبل ان تصل اشارات الشبع الى الدماغ، فحتى الاصوات والروائح الصناعية وطريقة الذوبان داخل الفم والاعلانات المكثفة كلها عناصر تستخدم لتعزيز الاستهلاك.
وفي كثير من الاحيان، تبدو البيئة الغذائية الحديثة وكانها هجوم عصبي مستمر على دوائر المكافاة القديمة داخل الدماغ.
ويزداد الامر خطورة عندما يتعلق الامر بالاطفال، لان ادمغتهم تكون اكثر حساسية للتعلم المرتبط بالمكافاة، وقد يؤدي التعرض المبكر والمتكرر للاطعمة فائقة الاستساغة الى تشكيل تفضيلات غذائية وسلوكيات طويلة الامد.
الرغبة الشديدة ليست مجرد ضعف ارادة
من اكثر الافكار المضللة شيوعا اعتبار السمنة او الافراط في الاكل مجرد فشل في الانضباط الشخصي، ففي الواقع، يتشكل السلوك الغذائي عبر تفاعل معقد بين البيولوجيا والبيئة والضغط النفسي والنوم والهرمونات والعواطف والوضع الاجتماعي والاقتصادي والثقافة وتوفر الطعام، فحتى قلة النوم وحدها قد تزيد من هرمونات الجوع وتعزز الرغبة في الاطعمة السكرية والدهنية.
كما يمكن للتوتر المزمن ان ينشط الاكل العاطفي، في حين قد تؤثر حالات الاكتئاب والقلق في حساسية الدماغ للمكافاة، وفي الوقت نفسه، غالبا ما تكون الاطعمة فائقة المعالجة ارخص ثمنا واسهل وصولا واكثر عرضة للاعلانات المكثفة مقارنة بالخيارات الصحية.
ولهذا فان اختزال المشكلة في ضعف الارادة يتجاهل التعقيد البيولوجي والبيئي الحقيقي وراء الافراط في الاكل.
هل بعض الاشخاص اكثر عرضة من غيرهم؟
ليس الجميع يستجيبون للطعام بالطريقة نفسها، فالعوامل الوراثية قد تؤثر في قابلية الشخص للسمنة والاكل الاندفاعي والحساسية للمكافاة والاصابة بالامراض الايضية، وقد يمتلك بعض الاشخاص استجابة دوبامينية اقوى لمحفزات الطعام او اشارات شبع اضعف او حساسية اكبر للاكل المرتبط بالتوتر.
ربما يفسر ذلك لماذا يستطيع بعض الناس تناول الاطعمة فائقة المعالجة احيانا دون مشكلات كبيرة، بينما يعاني اخرون من رغبات مستمرة وسلوكيات اكل قهرية.
كما تشير ابحاث حديثة الى ان النوم والميكروبيوم المعوي والتغذية المبكرة والصدمات النفسية والبيئة الاجتماعية قد تؤثر جميعها في سلوكيات الاكل واليات المكافاة في الدماغ.
المشكلة اكبر من المسؤولية الفردية
لا يمكن فهم الارتفاع الهائل في معدلات السمنة والسكري والكبد الدهني من خلال فكرة الاختيار الشخصي وحدها، فالانسان يعيش اليوم في بيئة مليئة باطعمة رخيصة وعالية السعرات ومصممة بعناية لتجاوز انظمة التحكم البيولوجية التي تطورت في ظروف مختلفة تماما.
وهذا لا يعني ان الانسان بلا مسؤولية او عاجز تماما، لكنه يعني ان القضية اعقد بكثير من مجرد "كل اقل وتحرك اكثر".
ولهذا يرى كثير من خبراء الصحة العامة ان الحلول الحقيقية يجب ان تشمل تغييرات اوسع في السياسات الغذائية والتعليم والتخطيط الحضري وتنظيم الاعلانات والتغذية المدرسية والعدالة الاجتماعية ومحاسبة صناعة الاغذية.
لم تعد المعركة مجرد معركة شهية، بل اصبحت معركة علم اعصاب.





