لم يعد مقبولًا أن يظل النقاش الرسمي حول التعليم في الأردن أسير التبرير أو محكومًا بذريعة «نقص الموارد». فهذه الحجة لم تعد صالحة علميًا ولا عمليًا، في ظل شواهد دولية عديدة تؤكد أن التقدم التعليمي لا يرتبط بحجم الإمكانات بقدر ما يرتبط بوضوح القرار ورسوخ الرؤية. دول أقل موارد، وأضيق فرصًا، وأشد تحديات، نجحت حين جعلت الاستثمار في الإنسان خيارًا استراتيجيًا لا شعارًا مرحليًا.
المشكلة الجوهرية في التعليم الأردني ليست إدارية بحتة، ولا تُعالج بإعادة الهيكلة أو تبديل المسميات أو دمج المؤسسات. هذه إجراءات شكلية قد تُحسن الانطباع، لكنها نادرًا ما تُحدث أثرًا حقيقيًا في جودة التعلم أو مخرجاته. فالتعليم لا ينهض بإعادة رسم الخرائط التنظيمية، بل بإعادة تعريف وظيفته ودوره في مشروع الدولة. والسؤال المؤجل باستمرار ماذا نريد من التعليم؟ هو السؤال الذي ينبغي أن يقود أي إصلاح جاد.
في الواقع، يُدار التعليم في الأردن غالبًا بوصفه أداة لإدارة الطلب الاجتماعي وتأجيل الضغوط، لا بوصفه رافعة لبناء رأس مال معرفي مستدام. المدرسة والجامعة، في صورتهما السائدة، تُكافئ الامتثال أكثر من المبادرة، والحفظ أكثر من التفكير، والانتظار أكثر من الفعل. هذا النمط لا يمكن تفسيره بندرة الموارد، بل بغياب رؤية تربوية واضحة وشجاعة تُعيد الاعتبار لوظيفة التعليم كصانع للقدرات لا كحارس للاستقرار المؤقت.
ويزداد هذا الإشكال حين تُطرح حلول من قبيل دمج وزارات التربية والتعليم العالي باعتبارها مخرجًا إنقاذيًا. فالتجارب الدولية تُظهر أن توحيد الهياكل لم يكن يومًا نقطة الانطلاق للنجاح، بل توحيد الفكرة. الدول التي حققت قفزات نوعية بدأت بتحديد ما تريد من متعلميها، ثم بنت السياسات والمؤسسات وفق ذلك. أما تحويل التعليم إلى ساحة تجارب إدارية متعاقبة، فيُهدر الوقت ويُضعف الثقة ويؤجل الإصلاح الحقيقي.
التجارب الرائدة، من شرق آسيا إلى شمال أوروبا، تتفق على رسالة واحدة: التعليم مشروع سيادي طويل الأمد. لم تراهن هذه الدول على كثافة المناهج ولا على تضخم البيروقراطيات، بل على المعلم، وجودة التعلم، وبناء العقل النقدي القادر على التعلم المستمر وتحمل المسؤولية وصناعة القيمة. لذلك تحوّل التعليم فيها إلى محرك للتنمية، لا عبئًا على الموازنة.
وفي المقابل، تُظهر دراسات الاقتصاد السياسي للتعليم علاقة سلبية بين الاعتماد على الحلول السهلة كإعادة الهيكلة المتكررة، أو الوعود الوظيفية، أو تقديس الامتحان وبين جودة المخرجات. التعليم القائم على الخوف من الخطأ، والأمان الوظيفي الوهمي، والقياس الشكلي للنجاح، لا يُنتج مبتكرين ولا اقتصاد معرفة، بل يُراكم شهادات دون أثر إنتاجي حقيقي.
من هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح اليوم ليس: أي وزارة ندمج؟ بل: أي إنسان نريد أن نبني؟ هل نطمح إلى تعليم يُخرج شبابًا ينتظرون وظائف محدودة في اقتصاد مثقل، أم إلى تعليم يصنع عقولًا قادرة على خلق الفرص وبناء المسارات؟ هل نقيس النجاح بعدد الناجحين على الورق، أم بقدرة الخريجين على التفكير والعمل والإنتاج في الواقع؟
إن الاستمرار في إدارة التعليم بعقلية المسكنات الإدارية خيار مكلف سياسيًا واقتصاديًا. كلفته تظهر في البطالة، وهجرة الكفاءات، وتآكل الثقة، وتضييق أفق المستقبل. كل عام يُهدر في إعادة الهيكلة هو عام يُقتطع من عمر جيل كامل، وكل جهد يُصرف على تغيير العناوين بدل تغيير الفلسفة هو استنزاف لما تبقى من رأس المال البشري.
الأردن لا يحتاج إلى وزارة أكبر، بل إلى رؤية أعمق. لا يحتاج إلى دمج المؤسسات، بل إلى توحيد الهدف: تعليم يُشغّل العقول بدل أن يُنهكها، ويُخرج إنسانًا فاعلًا لا متلقيًا، ومنتجًا لا منتظرًا. فالدول لا تُبنى بالهياكل وحدها، ولا تنهض بالمسميات، بل بالأفكار التي نمتلك الشجاعة لتبنيها، وبالعقول التي نقرر أن نراهن عليها.
ويبقى السؤال الحاسم، الذي لم يعد يحتمل التأجيل:
هل نريد تعليمًا نُديره.. أم تعليمًا يقودنا إلى المستقبل؟
-
-
مصلحة الأردن أولاً..2026-02-07 -
فضيحة إبستين2026-02-07 -
لقــاء المـلك.. مضامين ورسائل هامة2026-02-05 -
