باسم عارف الشورة
في المجتمعات التي تنشد الأمن والاستقرار، لا يبدأ الخطر دائمًا بصوتٍ مرتفع، ولا يكشف عن وجهه منذ اللحظة الأولى؛ فقد تبدأ الحكاية بفكرةٍ منحرفة، أو خطابٍ يرفض الاختلاف، أو كلماتٍ تتسلل إلى العقول بهدوء، حتى تجد الكراهية طريقها إلى النفوس. وحين تتحول الأفكار المسمومة إلى سلوك، يصبح الإنسان مهددًا في أمنه وكرامته، ويغدو المجتمع أمام مسؤوليةٍ لا تحتمل التأجيل: حماية الوعي، وصون القيم، ومواجهة كل فكرٍ يبرر العنف أو يستبيح حياة الأبرياء.
إن التطرف ليس قوةً ولا شجاعة، بل انحرافٌ عن جوهر الإنسانية، وعجزٌ عن تقبّل الآخر واحترام حقه في الحياة والاختلاف. وهو لا يهدد فردًا بعينه فحسب، بل يستهدف أمن المجتمعات واستقرار الدول، ويضرب الثقة بين أبناء الوطن الواحد. والأخطر أن يتخذ المتطرفون من الدين ستارًا لأفعالهم، فالدين رسالة رحمةٍ وعدل، لا وسيلةٌ لإثارة الفتن أو تبرير الاعتداء على الإنسان وكرامته.
ومع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الأفكار تنتقل بسرعةٍ غير مسبوقة، وأصبحت المنصات الرقمية ساحةً مفتوحة للمعرفة، لكنها قد تتحول أيضًا إلى أدواتٍ لنشر الكراهية والتضليل والتحريض. وهنا تبرز أهمية التربية الإعلامية والرقمية، وتعزيز قدرة الشباب على التحقق من المعلومات، وفهم الرسائل المضللة، والتمييز بين حرية التعبير والتحريض على العنف.
إن مواجهة التطرف لا تتحقق بالإجراءات الأمنية وحدها، على أهميتها، بل تحتاج إلى مشروعٍ وطني متكامل، تشارك فيه الأسرة والمدرسة والجامعة والمؤسسات الدينية والإعلامية. مشروعٌ يقوم على ترسيخ الاعتدال، وفتح أبواب الحوار، وتعزيز العدالة والانتماء، وتحصين الأجيال بالمعرفة، ومواجهة الفكر المنحرف بالحجة والوعي وسيادة القانون.
وفي الأردن، تظل الوحدة الوطنية ركيزةً أساسية من ركائز الاستقرار، ويظل التلاحم بين المسلمين والمسيحيين صورةً أصيلة للمجتمع الأردني الذي جمعته الأرض والتاريخ والمصير المشترك. فالمسجد والكنيسة جزءٌ من نسيج الوطن، والاعتداء على دور العبادة أو المصلين والمشيعين اعتداءٌ على أمن المجتمع وقيمه، أيًّا كانت هوية الضحايا أو دوافع المعتدين.
إن المواقف الوطنية المسؤولة تقتضي إدانة العنف والتطرف بوضوح، والاحتكام إلى القانون، وانتظار الحقائق من الجهات المختصة، ورفض الشائعات وخطابات التحريض التي قد تستغل الألم لإشعال الفتنة.
إن معركة الوطن مع التطرف تبدأ من العقل، وتنتصر بالوعي، وتترسخ بوحدة أبنائه. وسيبقى الأردن، بقيادته الهاشمية وتماسك شعبه، وطنًا للتسامح والعيش المشترك، عصيًّا على الفتنة، متمسكًا بكرامة الإنسان، ومؤمنًا بأن قوة الأوطان الحقيقية لا تكمن في مواجهة الخطر فحسب، بل في بناء مجتمعٍ لا تجد فيه الكراهية أرضًا تنمو عليها، ولا يجد فيه الفكر الظلامي طريقًا إلى مستقبل أبنائه.





