حين تكون العلاقات بين الدول أعمق من ضجيج المنصات وحملات التضليل

حين تكون العلاقات بين الدول أعمق من ضجيج المنصات وحملات التضليل

ليست العلاقات الأردنية السعودية وليدة منشور عابر، ولا هي رهينة تعليق مجهول، ولا يمكن اختزال تاريخ طويل من الأخوّة والتعاون والمصالح المشتركة في سجالات إلكترونية تقودها حسابات وهمية، أو تغذيها حملات تضليل تستهدف إثارة الشكوك بين شعبين تجمعهما روابط راسخة من التاريخ والجغرافيا والهوية والمصير المشترك.

إن العلاقة بين المملكة الأردنية الهاشمية والمملكة العربية السعودية تمثل نموذجًا لعلاقات عربية تتجاوز حدود المجاملة الدبلوماسية إلى عمق المصالح الاستراتيجية، والتنسيق السياسي، والتعاون الاقتصادي والأمني، والإيمان بأن أمن البلدين واستقرارهما يشكلان جزءًا أصيلًا من أمن المنطقة العربية واستقرارها.

ومن هنا، فإن أي محاولة لتشويه هذه العلاقة أو تصويرها باعتبارها علاقة متوترة بناءً على محتوى متداول عبر منصات التواصل الاجتماعي، إنما تتجاهل حقيقة أساسية: أن العلاقات بين الدول تُقرأ من خلال مواقفها الرسمية، واتفاقياتها، وتنسيقها الاستراتيجي، ومصالح شعوبها، لا من خلال ضجيج حسابات لا يُعرف أصحابها ولا الأهداف التي تقف خلفها.

فعلاقتنا لا تصنعها الخوارزميات لان العلاقات الأردنية السعودية تستند إلى امتداد تاريخي من الروابط العربية والإسلامية، وإلى تداخل المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية، فضلًا عن الروابط الاجتماعية والعائلية التي تجمع الأردنيين والسعوديين. وقد شكّلت هذه العلاقة، عبر مراحل مختلفة من تاريخ المنطقة، مساحة للتشاور والتعاون في مواجهة التحديات المشتركة.

وفي منطقة تعيش تحولات جيوسياسية متسارعة، من الحروب والصراعات إلى الأزمات الاقتصادية والتهديدات العابرة للحدود، تكتسب الشراكة بين عمّان والرياض أهمية تتجاوز العلاقات الثنائية، لتلامس معادلات الأمن الإقليمي، واستقرار الدول العربية، وحماية المصالح المشتركة.

فالأردن، بما يمتلكه من موقع جيوسياسي بالغ الحساسية، ودور سياسي وأمني في قضايا المنطقة، والسعودية، بما تمثله من ثقل سياسي واقتصادي واستراتيجي عربي وإقليمي، يلتقيان عند مصالح حيوية تتطلب استمرار الحوار والتنسيق، وتعزيز التعاون في الملفات ذات الاهتمام المشترك.

وهذه الحقائق لا تتغير بسبب منشور استفزازي، ولا تتبدل بفعل مقطع مجتزأ من سياقه، ولا تُقاس بموجة تعليقات قد تكون مصطنعة أو مدفوعة بخطاب انفعالي لا يستند إلى معلومات موثوقة.

فهذه الحسابات الوهمية عندما يتحول فيها الفضاء الرقمي إلى ساحة استهداف للوعي يوضح انه لم تعد الحروب الحديثة تقتصر على الحدود والجبهات العسكرية، بل امتدت إلى الفضاء الرقمي، حيث أصبحت المعلومات والشائعات والصور والمقاطع المتداولة أدوات قادرة على التأثير في الرأي العام، وصناعة الانطباعات، وإثارة الانقسامات بين المجتمعات.

وفي هذا السياق، يمكن للحسابات المجهولة أو المنسقة أن تسهم في تضخيم الخلافات، وإعادة تدوير تصريحات خارج سياقها، وبث محتوى يستثير الحساسية الوطنية، ثم تقديم التفاعل المصطنع وكأنه موقف شعبي واسع.

لكن من الضروري هنا التمييز بين النقد الحقيقي والتضليل المنظم؛ فليس كل حساب مجهول جزءًا من حملة، وليس كل رأي مخالف دليلًا على وجود استهداف. إن التعامل المسؤول مع هذه الظواهر يقتضي التحقق من المعلومات، وفحص مصادرها، والبحث عن الأدلة قبل توجيه الاتهامات.

وتكمن الخطورة حين يتحول المحتوى الرقمي من مساحة للنقاش إلى وسيلة لزرع الريبة بين الأردنيين والسعوديين، أو حين يُدفع المواطن إلى تبني موقف عدائي بناءً على معلومات غير مكتملة، أو روايات لا يُعرف مصدرها، أو تفسيرات تُبنى على الظنون بدلًا من الوقائع.

وهنا يصبح الوعي الرقمي ضرورة وطنية، لا مجرد مهارة تقنية؛ لأن حماية العلاقات العربية تبدأ أيضًا من حماية العقول من الاستدراج، ومنع الشائعات من التحول إلى قناعات، ومنع الحسابات الوهمية من التحدث باسم الشعوب.

فالمصالح الأردنية والسعودية المشتركة أكبر من محاولات التشكيك وإن قوة العلاقات الأردنية السعودية لا تعني غياب الاختلاف في وجهات النظر حول بعض الملفات، فالعلاقات الدولية بطبيعتها تقوم على المصالح والحوار وتباين التقديرات أحيانًا. لكن الاختلاف، إن وجد، لا ينبغي تضخيمه أو تحويله إلى خصومة شعبية، ولا يجوز استخدامه ذريعة للنيل من الروابط التاريخية بين البلدين.

فالأردن والسعودية يواجهان تحديات إقليمية تتطلب التعاون، وفي مقدمتها مكافحة الإرهاب والتطرف، ومواجهة تهريب المخدرات، وتعزيز أمن الحدود، وحماية الاستقرار، والتعامل مع تداعيات الأزمات والصراعات المحيطة. كما أن التعاون الاقتصادي والاستثماري والتجاري يفتح آفاقًا مهمة أمام البلدين، ويعزز فرص العمل والتنمية، ويخدم المصالح المتبادلة للشعبين.

ولا يمكن إغفال أن أمن الأردن واستقراره يشكلان مصلحة عربية وإقليمية، وأن استقرار السعودية ومكانتها الاستراتيجية يمثلان عنصرًا مهمًا في توازن المنطقة. ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز العلاقة بين البلدين ليس موقفًا عاطفيًا فحسب، بل خيار استراتيجي يستند إلى فهم المصالح المشتركة وتحديات المستقبل.

أما محاولات تصوير العلاقة باعتبارها ساحة تنافس بين الشعبين، أو دفع الأردنيين والسعوديين إلى تبادل الاتهامات والتجريح، فهي لا تقدم خدمة لأي من البلدين، بل تفتح المجال أمام خطاب انقسامي لا يخدم إلا الفوضى.

ولمواجهة التضليل تبقى المسؤولية الوطنية تبدأ من طريقة تعاملنا مع المعلومة لا تكون بالانفعال، ولا بالرد على كل منشور، ولا بالدخول في معارك إلكترونية تستنزف الوعي وتمنح المحتوى المثير مزيدًا من الانتشار. بل تبدأ بالتحقق من المصادر، والتمييز بين الخبر والرأي، والرجوع إلى التصريحات الرسمية والجهات الموثوقة، وعدم إعادة نشر المواد المشكوك فيها قبل التأكد من صحتها.

كما تقع على عاتق الإعلاميين والكتّاب والمثقفين مسؤولية مضاعفة في هذه المرحلة؛ إذ ينبغي أن يكون الخطاب الإعلامي عامل تهدئة وتفسير، لا أداة لتأجيج المشاعر أو تعميم الأحكام. فالكلمة المسؤولة قادرة على تفكيك الشائعة، وشرح السياق، وتصحيح المعلومة، بينما قد تتحول الكلمة المتسرعة إلى وقود لخلاف لم يكن موجودًا أصلًا.

ومن المهم كذلك ألا نخلط بين احترام العلاقات الأخوية وبين تعطيل النقاش الموضوعي؛ فالصداقة بين الدول لا تعني الامتناع عن التحليل أو الاختلاف، وإنما تعني إدارة الاختلاف بعقلانية، واحترام متبادل، وحرص على المصالح المشتركة، بعيدًا عن الإساءة والتخوين والاتهامات غير المستندة إلى دليل.

وإن الدفاع عن العلاقات الأردنية السعودية لا يكون بإنكار الوقائع أو تكميم الآراء، بل برفض التضليل، وحماية النقاش العام من التلاعب، وإعلاء لغة العقل والمصالح المشتركة.

لان الوعي الشعبي… خط الدفاع الأول عن العلاقات العربية وهذا ما اثبتته التجارب أن المجتمعات التي تمتلك وعيًا نقديًا تستطيع التمييز بين الخلاف الحقيقي والخلاف المصنوع، وبين الرأي الفردي والموقف العام، وبين المعلومة الموثقة والمحتوى الذي صُمم لإثارة الغضب.

ومن هنا، فإن الأردنيين والسعوديين مدعوون إلى التعامل مع ما يُنشر عبر المنصات الرقمية بروح المسؤولية، وعدم السماح للحسابات المجهولة بأن تصادر حقهم في فهم علاقاتهم بعيدًا عن الاستفزاز. فالشعوب الواعية لا تمنح الشائعة سلطة الحقيقة، ولا تسمح للخوارزميات بأن تحدد طبيعة علاقاتها أو ترسم حدود احترامها المتبادل.

كما أن المؤسسات الإعلامية والثقافية والتعليمية تستطيع الإسهام في ترسيخ ثقافة التحقق، وتوضيح طبيعة المصالح المشتركة، وتعزيز التواصل بين الشباب والمثقفين والإعلاميين في البلدين، بما يحول العلاقة الأخوية إلى وعي مجتمعي راسخ، لا مجرد شعارات تُرفع عند الحاجة.

فالعلاقات الراسخة لا تهزها الحسابات العابرة وتبقى هذه العلاقات الأردنية السعودية أكبر من أن تختزلها حسابات إلكترونية وهمية، وأعمق من أن تهزها شائعة، وأرسخ من أن تحدد مسارها موجة غضب عابرة على منصات التواصل الاجتماعي.

إنها علاقة تحكمها الجغرافيا، وتدعمها المصالح، وتغذيها الروابط التاريخية والاجتماعية، وتمنحها تحديات المنطقة أهمية استراتيجية متجددة. وحمايتها مسؤولية سياسية وإعلامية ومجتمعية مشتركة، تقوم على الصراحة والاحترام والتعاون، لا على المبالغة أو الإنكار أو الانجرار وراء الاستفزاز.

ولا يعني ذلك أن كل خلاف مفتعل، أو أن كل نقد يستهدف العلاقة، بل يعني أن الحكم على العلاقات الدولية يجب أن يستند إلى الوقائع والمواقف الموثقة، لا إلى الانطباعات المصنوعة.

فالأردن والسعودية لا يحتاجان إلى شهادة من حساب مجهول لإثبات عمق علاقتهما، ولا يجوز أن يتحول الفضاء الرقمي إلى مرجعية تحكم علاقة شعبين يجمعهما الكثير من التاريخ والمصالح والتطلعات.

وفي زمن أصبحت فيه المعلومة سلاحًا، فإن الحفاظ على الأخوّة العربية يبدأ من حماية الحقيقة، وصون الوعي، ورفض تحويل الاختلاف إلى عداوة، وإدراك أن أمن الدول واستقرارها لا يُبنيان بمنشورات الاستفزاز، بل بالحكمة والتعاون والثقة المتبادلة.

فالعلاقات الاستراتيجية تُبنى بالمواقف، وتُقاس بالإنجازات، وتحميها المصالح والوعي… لا بعدد الإعجابات، ولا بضجيج الحسابات الوهمية.