المرأة والمسؤولية العامة: بين المرجعية التراثية واستحقاقات الدولة الحديثة

المرأة والمسؤولية العامة: بين المرجعية التراثية واستحقاقات الدولة الحديثة

مع كل تحول سياسي يشهد تعيين امرأة على رأس حكومة أو ولاية تنفيذاً لمهام قيادية عليا، يتجدد الجدل المجتمعي حول مدى انسجام هذه الخطوة مع المرجعية الإسلامية. وفي الوقت الذي ينقسم فيه الشارع بين حماسة متنددة بالتهميش التاريخي، وحذرٍ متوجسٍ من مخالفة النصوص الشرعية، تبرز الحاجة إلى قراءة صحفية وفكرية هادئة، تتجاوز السطحية وتستند إلى المنهج العلمي والتحليل المقاصدي.

التاريخ الإسلامي: مشاركة واعية بعيداً عن «الإسقاط العصراني»

لا يخفى على المتابع للتراث الإسلامي أن السير والتراجم حفلت بنماذج نسائية كسرن الصورة النمطية السائدة. ومن أبرز تلك الشخصيات الشفاء بنت عبد الله العدوية رضي الله عنها، المهاجرة الشريفة التي عُرفت بعقلها وعلومها، والتي وثقت المصادر التاريخية تقدير الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لرأيها واستشارته لها، بل وروايات متواترة عن استعانتها في ولاية أمر السوق والإشراف عليه.

غير أن قراءة هذا النموذج لا تعني تسقيطه حرفياً وتحويل "الشفاء" إلى "رئيسة حكومة" بمعناها الدستوري المعاصر؛ فذلك يقع في محذور إسقاط مفاهيم الدولة الحديثة على بيئة تاريخية لها منطقها الخاص. لكن الدلالة الفكرية الجوهرية تكمن في أن مجتمع صدر الإسلام عرف حضوراً لافتاً للمرأة في مجالات الرأي والعلم والإدارة، وأن مبدأ الأهلية والكفاءة كان المعيار الحاكم لتوزيع المسؤوليات.

تفكيك خطاب المانعين: كيف نَفهم حديث «لن يفلح قوم...»؟
في قلب هذا النقاش، يقف المعارضون لتولي المرأة رئاسة الحكومة خلف الاستدلال بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: «لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً» (رواه البخاري).

وهنا يطرح السؤال الفكري نفسه: هل يصح استخدام هذا النص حظراً مطلقاً لتولي المرأة المسؤوليات التنفيذية اليوم؟
يُجمع المحققون من علماء الشريعة والفكر السياسي على أن المعالجة العلمية لهذا النص تقتضي الوقوف عند ثلاث نقاط مفصلية:

* سبب الورود والسياق التاريخي: جاء هذا الحديث تعليقاً نبوياً على حادثة كسرى فارس، حين صرع بأسرة الحكم هناك وتوجت "بوران بنت شيرويه" ملكة على إمبراطورية قائمة على الاستبداد المطلق. فالحديث في جوهره «إخبار بالنبوءة» عن سقوط دولة فارس والانحلال السياسي الذي آلت إليه، وليس تشريعاً عاماً يغلق باب الكفاءة في كل زمن.
* المدلول اللغوي لـ «أمرهم»: يُشير الفقه السياسي إلى أن لفظ «أَمْرَهُمْ» في الحديث يفيد الاستغراق الشامل، أي الولاية العامة المطلقة (كالخلافة أو الإمامة الكبرى) التي تجتمع فيها كل السلطات السياسية والدينية والعسكرية في يد فرد واحد.

* طبيعة الدولة الحديثة: رئيس الحكومة في النظام الدستوري المعاصر ليس حاكماً مطلقا يملك الشؤون كلها، بل هو رئيس سلطة تنفيذية مقيدة بالفصل بين السلطات، ومراقبة البرلمان، ومحاسبة القضاء الدستوري. وبذلك تُعتبر التولية المعاصرة تولية لمؤسسة ودولة قانون، لا تفويضاً لشخص يستبد بالولاية العامة.
الكفاءة والمصلحة العامة: معياران لحكم النوازل

إن القراءة التجديدية المعتدلة تشير إلى أن تولي المرأة لمناصب قيادية في العصر الحديث يندرج ضمن باب «المصالح المرسلة» و«النوازل السياسية»، حيث تدور الأحكام الفقهية مع وجود الكفاءة والأمانة وجوداً وعدماً. وقد بين القرآن الكريم مبدأ المشاركة والتكامل بين الجنسين في قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [التوبة: 71].

ولعل العبرة الحقيقية تكمن في قدرة الشريعة الإسلامية بمقاصدها المرنة على استيعاب مؤسسات العصر وتوجيه الطاقات البشرية في المجتمع — رجالاً ونساءً — نحو البناء والاصلاح.

خلاصة القول
إن التعامل مع قضايا المرأة والمسؤولية العامة بعيداً عن الاختزال والتعميم، يفرض علينا التفريق الجوهري بين «الخلافة العامة الاستبدادية» كما عرفتها مجتمعات قديمة، وبين «الإدارة المؤسسية الدستورية» في دولة المواطنة الحديثة. فالمرأة المسلمة لم تكن غائبة عن التأثير في تاريخها، وقراءته بعين الاستيعاب والمقاصد كفيلة بإنهاء السجالات العقيمة وصنع مستقبل يسوده تكامل الأهلية والواجب.