ملاحظات حول مسودة معدل قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب

ملاحظات حول مسودة معدل قانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب

اقدم هذه الملاحظات القانونية حول مشروع قانون معدل لقانون مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب لسنة 2026 المنشور على بوابة ديوان التشريع والرأي بتاريخ 20 / 9 / 2026 , املا ان تؤخذ هذه الملاحظات في ضوء قرائتي المتواضعة لمسودة المشروع من باب اختصاصي العملي وخبرتي القانونية في هذا المجال .
ان الملاحظات الواردة تأتي من باب العصف الذهني القانوني ليتوائم مع مدى انضباط وارتباط الوسائل التشريعية المقترحة بمبادئ الشرعية والتناسب وحماية الملكية والحق في الدفاع والرقابة القضائية، حتى نخرج بقانون عصري يملك مقومات النصوص القانونية الأكثر حداثة.

ثانياً: الملاحظات الدستورية العامة

من المبادئ التي استقرت عليها الأنظمة القانونية العالمية مبدأ حماية الحقوق والحريات اذ تنص المادة 7 من الدستور الأردني على أن الحرية الشخصية مصونة، وأن الاعتداء على الحقوق والحريات العامة أو حرمة الحياة الخاصة للأردنيين جريمة يعاقب عليها القانون.

كما تنص المادة 11 على حماية الملكية، والمادة 12 على أن مصادرة الأموال المنقولة أو غير المنقولة لا تكون إلا بمقتضى القانون، بينما تقرر المادة 18 سرية وسائل الاتصال وعدم إخضاعها للمراقبة أو الاطلاع إلا بأمر قضائي وفق أحكام القانون.

وتقرر المادة 128 / 1 أن القوانين التي تنظم الحقوق والحريات لا يجوز أن تؤثر في جوهر هذه الحقوق أو تمس أساسياتها.

ومن ثم، فإن وجود سند تشريعي للمساس بالمال أو الخصوصية لا يكفي وحده، بل ينبغي أن يكون هذا التنظيم واضحاً ومحدداً ومتوازناً ومصحوباً بضمانات قضائية فعالة.

ثالثاً : المادة 5 من المسودة – تقييد التعامل النقدي

تجيز المادة 6/أ/13 للجنة التوصية لمجلس الوزراء بحصر الدفع الإلكتروني لبعض السلع والخدمات أو تحديد سقف للقيم التي يجوز دفعها نقداً.

وجه الإشكال

هذا الاختصاص للجنة التوصية لمجلس الوزراء ذو أثر مباشر على المعاملات الاقتصادية وحرية التعاقد والتعامل.

ولذلك ينبغي ألا يترك نطاقه مفتوحاً دون معايير تشريعية واضحة.

ينبغي تحديد نوع المعاملات التي يجوز تقييدها ومعيار تحديد الحد النقدي و آلية مراجعة الحد و الاستثناءات عليه و كذلك الجهة صاحبة القرار النهائي و طريقة نشر القرار وايضاً حق المتضرر في الاعتراض.

والأصل أن يحدد القانون الإطار والمعايير الأساسية، لا أن يترك جوهر التنظيم لقرارات لاحقة.

رابعاً : المادة 6 – تفويض اللجنة لصلاحياتها

تجيز المادة 6 للجنة تفويض أي من صلاحياتها لرئيسها شريطة أن يكون التفويض خطياً ومحدداً.

وجه الإشكال

عبارة «أي من صلاحياتها» واسعة جداً.

فبعض الاختصاصات قد تكون من طبيعة جماعية ولا ينبغي أن تخضع للتفويض، خصوصاً إذا ترتب عليها وضع سياسات عامة أو اتخاذ قرارات تمس حقوق الأفراد.

المقترح

تحديد الصلاحيات القابلة للتفويض حصراً، والنص على عدم جواز تفويض الاختصاصات المتعلقة بوضع السياسات العامة أو إصدار القرارات التنظيمية أو اتخاذ القرارات ذات الأثر المباشر على الحقوق والحريات إلا بنص صريح.

خامساً : المادة 7 – استقلال وحدة مكافحة غسل الأموال

ينص المشروع على أن وحدة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب تتمتع بشخصية اعتبارية واستقلال مالي وإداري وترتبط بالمحافظ.

وهذا الاتجاه قد يكون مفيداً من ناحية الاستقلال المؤسسي، إلا أن المشروع يحتاج إلى تحديد العلاقة بين الوحدة و اللجنة الوطنية و البنك المركزي والنيابة العامة والجهات الرقابية والجهات الأمنية.

فلا يكفي تقرير الاستقلال، وإنما يجب بيان حدوده وآليات الرقابة والمساءلة.

سادساً : الملاحظات على المادة 23 – المصادرة الممتدة

تقترح المادة 23 إضافة المادة 32 مكرر التي تجيز امتداد المصادرة إلى أي ممتلكات أخرى عائدة للشخص المدان إذا اقتنعت المحكمة بأن هذه الممتلكات ناشئة عن سلوك جرمي ولم يرد ما يثبت مشروعيتها.

وتضيف المادة ثلاثة مؤشرات يمكن للمحكمة التحقق منها، وهي عدم تناسب الأموال مع الدخل المشروع، والحصول عليها في فترة قريبة من ارتكاب عمل غير مشروع، والانتماء إلى جماعة إجرامية منظمة.

وجه الإشكال

المشكلة الأساسية ليست في مبدأ المصادرة الممتدة، وإنما في الصياغة الواسعة للشرط الموضوعي للمصادرة.

فالقول إن المال «لم يثبت مشروعيته» قد يؤدي عملياً إلى نقل مركز الثقل من إثبات الصلة بين المال والجريمة إلى مطالبة الشخص بإثبات مشروعية جميع أمواله.

كما أن عدم التناسب بين الثروة والدخل المشروع لا يساوي بذاته دليلاً على أن الأموال متحصلة من جريمة.

فقد توجد مصادر مشروعة متعددة للأموال، كالإرث والهبة والقرض وبيع الأصول والاستثمارات السابقة والدخل الخارجي وغيرها.

المقترح

استبدال معيار:

«ولم يرد ما يثبت مشروعيتها»

بصياغة أكثر انضباطاً تربط المصادرة بوجود بينات وقرائن جدية ومحددة تثبت الصلة بين الأموال والسلوك الجرمي، مع تحديد معيار الإثبات وعدم تحويل مجرد عدم التناسب المالي إلى قرينة قاطعة على المصدر الجرمي.

سابعاً : المادة 26 – المصادرة رغم إسقاط الدعوى أو حفظ الأوراق

تنص المادة 37 المقترحة على أن إسقاط دعوى الحق العام أو وقف الملاحقة أو الإعفاء من العقوبة أو حفظ الأوراق أو صدور حكم غيابي لا يحول دون مصادرة الممتلكات الجرمية أو الممتلكات ذات القيمة المكافئة، كما تجيز استمرار نظر الدعوى وإحالتها للمحكمة لغايات المصادرة.

وجه الإشكال في هذه المسألة ان هذه المادة تثير سؤالاً جوهرياً حول الطبيعة القانونية للمصادرة.

فإذا كانت المصادرة عقوبة، فإن ربطها بدعوى انتهت دون إدانة يثير إشكالاً بالنسبة إلى مفهوم قرينة البراءة.

أما إذا كانت المصادرة تدبيراً عينياً مستقلاً عن العقوبة، فيجب على المشرع أن يقرر ذلك صراحة، وأن يحدد، طبيعة دعوى المصادرة ومعيار الإثبات فيها وعبء الإثبات و حقوق الشخص الذي تمت مصادرة أمواله وحقوق الغير حسن النية وطرق الطعن و أثر الحكم الجزائي السابق على دعوى المصادرة.

المقترح

إضافة نص صريح يحدد الطبيعة القانونية للمصادرة المستقلة عن الإدانة، ويقرر أنها لا تعني افتراض ارتكاب الشخص للجريمة، وأن المحكمة ملزمة بإثبات الصلة بين المال والسلوك الجرمي وفق معيار إثبات محدد.

ثامناً : حقوق الغير حسن النية

يعترف المشروع بحق الغير حسن النية في الطعن في قرار المصادرة، إلا أن النص لا يقدم نظاماً إجرائياً متكاملاً لهذه الحماية.

الإشكال

قد تمس المصادرة حقوق المالك المشتري والمرتهن والدائن والمشتري حسن النية والورثة وكذلك المؤسسة المالية توجد الأموال لديها باعتبارهم جميعا

حسن النية

ولذلك فإن مجرد القول إن «للغير حسن النية حق الطعن» لا يكفي.

المقترح

استحداث مادة مستقلة تحدد كيفية إدخال الغير في الدعوى وحقه في الاطلاع على الأدلة وحقه في تقديم البينة و تحديد مدة الطعن وأثر الطعن على تنفيذ المصادرة و معيار إثبات حسن النية وحماية الحقوق العينية السابقة على المصادرة.

تاسعاً : المادة 20 – التحقيقات السرية واعتراض الاتصالات

تضيف المادة 29/هـ و/و صلاحيات واسعة تشمل العمليات السرية واعتراض الاتصالات ودخول أنظمة الحاسوب والتسليم المراقب، بموجب أمر قضائي خطي ما لم تنص القوانين الخاصة على خلاف ذلك.

وجه الإشكال الدستوري

المادة 18 من الدستور تقرر صراحة سرية المراسلات والمخاطبات الهاتفية وغيرها من وسائل الاتصال، ولا تجيز مراقبتها أو الاطلاع عليها إلا بأمر قضائي وفق أحكام القانون.

وعليه، فإن عبارة:

«ما لم تنص القوانين الخاصة على خلاف ذلك»

تحتاج إلى إعادة صياغة حتى لا تفهم باعتبارها ترخيصاً باستثناءات غير محددة من الضمانة الدستورية.

المقترح

النص على أن:

«لا يجوز اعتراض الاتصالات أو مراقبتها أو الدخول إلى الأنظمة المعلوماتية إلا وفق الشروط والضمانات والمدة التي يحددها القانون وبموجب أمر قضائي مسبب.»

وينبغي كذلك تحديد مدة الأمر القضائي وشروط تمديده وكيفية حفظ البيانات المتحصلة منه وإتلاف ما لا يتعلق بالجريمة.

عاشراً : المادة 29 – حذف عبارة «المرتبطة بها»

من أخطر تعديلات المشروع حذف عبارة «المرتبطة بها» الواردة بعد «الجرائم الأصلية» في مجموعة واسعة من مواد القانون. وتشمل المواد المذكورة في المشروع المواد 6 و9 و12 و15 و16 و18 و19 و20 و21 و22 و24 و29 و37 و38 و39.

وجه الإشكال

هذا التعديل ليس شكلياً.

فحذف عبارة «المرتبطة بها» يؤدي إلى توسيع نطاق الإحالة إلى الجرائم الأصلية، وقد يغير العلاقة التشريعية بين الجريمة الأصلية والمتحصلات منها وغسل الاموال

ويجب لذلك بيان الأثر المقصود من حذف العبارة، لأن التوسع غير المحدد قد يؤدي إلى اتساع دائرة التجريم والتدابير المالية دون بيان واضح للرابطة المطلوبة بين المال والجريمة.

المقترح

إما الإبقاء على عبارة «المرتبطة بها»، أو وضع تعريف تشريعي واضح يحدد العلاقة المطلوبة بين الجريمة الأصلية والأموال محل التجميد أو المصادرة أو التحقيق.

الحادي عشر: المادة 28 – الاستناد إلى وقائع واردة في الطلبات الأجنبية دون تحقيق

ينص المشروع على أنه يجوز الاستناد إلى الوقائع ونتائجها الواردة في طلبات المساعدة القانونية الأجنبية دون إجراء تحقيق.

وجه الإشكال

التعاون الدولي لا ينبغي أن يعني التخلي عن الحد الأدنى من الرقابة القضائية الوطنية.

والأدق أن تكون المعلومات الأجنبية أساساً لاتخاذ الإجراء أو للتحقيق، مع تمكين الطرف المتضرر من مناقشة مدى سلامتها وحجيتها وفق قواعد الإثبات الوطنية.

المقترح

إضافة عبارة:

«مع مراعاة حق الأطراف في مناقشة حجية هذه الوقائع وسلامة الإجراءات التي تم الحصول عليها بموجبها أمام المحكمة المختصة.

الثاني عشر: مصادرة الأموال الموجودة في الخارج

يعطي المشروع لمحكمة بداية عمان اختصاص إصدار قرار بحجز أو تجميد أو مصادرة ممتلكات موجودة في الخارج عندما تشترط الدولة الأجنبية صدور أمر من محكمة أردنية.

الملاحظة

ينبغي التفريق بين:

الاختصاص القضائي الأردني بإصدار الأمر

وبين:القوة التنفيذية للأمر خارج إقليم المملكة.

فالمحكمة الأردنية لا تستطيع تنفيذ حكمها مباشرة في إقليم دولة أخرى، وإنما يحتاج التنفيذ إلى آليات الاعتراف والتنفيذ وفق قانون الدولة الأجنبية والاتفاقيات الدولية.

لذلك ينبغي أن تكون صياغة المادة أكثر دقة حتى لا توحي بأن الحكم الأردني ينفذ تلقائياً خارج المملكة.

الثالث عشر: معيار التناسب

يمثل مبدأ التناسب عنصراً مركزياً في المشروع.

فكلما اتسعت صلاحيات التجميد والحجز والتفتيش والاعتراض والمصادرة وتتبع الاموال ينبغي أن تقابلها ضمانات متناسبة من حيث الأمر القضائي والتسبيب والمدة وحق الاعتراض والدفاع والتعويض عند الخطأ وذلك اتساقاً مع المادة 128 من الدستور التي تمنع التشريعات المنظمة للحقوق والحريات من المساس بجوهرها أو أساسياتها.