الفجوة بين الأجيال .. دور الاستراتيجيات الحكومية

الفجوة بين الأجيال .. دور الاستراتيجيات الحكومية

يشهد عالمنا العربي تحولات ديموغرافية واجتماعية عميقة ومتسارعة، وهي تحولات تحمل في طياتها تداعيات جذرية ومؤثرة على بنية المجتمع ومستقبله. لقد اصبحت الفروقات بين الأجيال المتعاقبة جلية أكثر من أي وقت مضى، لا سيما في منظومة القيم والتطلعات والرؤى. ولذلك، فإن لهذه الاختلافات انعكاسات كبيرة وعميقة على مسارات التغيير الاجتماعي والسياسي، مما يفرض على الحكومات العمل بجدية على تخطيط السياسات العامة وتطويرها، من أجل استيعاب هذه التغيرات الديناميكية وتوجيهها بفعالية نحو تحقيق التنمية الشاملة.

بالنسبة لجيل ما قبل الإنترنت، فقد نشأ وترعرع في ظل أنظمة سياسية واجتماعية اتسمت بالمركزية، واعتمدت بشكل شبه حصري في استقاء معلوماتها وتشكيل وعيها على وسائل إعلام تقليدية كالتلفزيون والإذاعة والصحف الورقية. ويتميز هذا الجيل بالتمسك بالقواعد الاجتماعية والأعراف الموروثة، ويميل بطبيعته إلى قبول السلطة والهياكل التنظيمية الهرمية. كما أنه يؤمن بالتغيير التدريجي البطيء الذي يحافظ على الاستقرار، ويهمه بالدرجة الأولى تحقيق الأمان الوظيفي الثابت، ويعتبر بشكل قاطع أن الدولة هي الراعي الرئيسي والمسؤول الأول عن المجتمع وتلبية كافة احتياجاته الأساسية.

أما الجيل الرقمي، والذي يضم مواليد أواخر التسعينيات وما بعدها، فهو جيل لم يعرف قط عالماً بدون الإنترنت أو الهواتف الذكية وتطبيقاتها المتعددة. هؤلاء الشباب، لا يرون الإنترنت وملحقاتها التكنولوجية كأدوات تقنية فقط، بل يعتبرونها أسلوب حياة متكاملا وبيئة طبيعية وحيوية للتفاعل مع محيطهم والعالم أجمع. هم يحبون السرعة في كل شيء، ويتوقعون الحصول على المعلومة والخدمة بشكل فوري. يحرصون على إظهار شخصيتهم المتفردة والمستقلة، والتعبير عن أفكارهم على المنصات الرقمية. ويتمتع هذا الجيل بمعرفة واسعة واطلاع كبير على القضايا العالمية الكبرى مثل التغير المناخي وقضايا العدالة الاجتماعية، ويهتمون بشكل استثنائي بمبادئ الشفافية والمساءلة في كافة جوانب الحياة الإدارية والسياسية.

ولا شك أن هذه الفروقات في طريقة التفكير وأسلوب الحياة تشكل تحدياً كبيراً ومعقداً لكل الحكومات، لا سيما الحكومات العربية. ويعود السبب الجوهري في ذلك إلى أن هذه الحكومات والإدارات العامة مصممة هيكلياً وتنظيمياً لتلبية احتياجات أجيال ما قبل الإنترنت، مما يخلق فجوة عميقة في التواصل وتلبية التطلعات. فأجيال ما بعد الإنترنت تبحث عن بيئات عمل مختلفة، حيث تطمح الى وظائف تتضمن شغفاً حقيقياً وتدعم الابتكار وريادة الأعمال، وهم يقدرون عالياً مفاهيم المرونة والنمو الشخصي والمهني المستمر. كما أنهم بطبيعتهم لا يتقبلون مركزية القرار، ويشككون في بعض السياسات التي لا يرون فيها الشفافية والوضوح الكافي. وهم أيضاً، بحسب تكوينهم الفكري والمعرفي، لا تقنعهم السرديات الرسمية للأحداث أو المواقف الجاهزة، بل يتجهون بشكل متزايد إلى الإعلام البديل والمنصات المستقلة.

إن الاستراتيجيات المطلوبة للتكيف مع هذه المتغيرات المجتمعية الحرجة يجب أن تكون شاملة ومتعددة الأبعاد. وعلى رأسها الاستثمار في التعليم، وذلك من خلال إجراء إعادة هيكلة جذرية للمنظومة التعليمية بحيث تركز على بناء المهارات العملية المطلوبة في سوق العمل. إضافة إلى ذلك، لا بد من تشجيع الابتكار والبحث والتطوير، وكذلك العمل الدؤوب على توفير البيانات والمعلومات بشفافية، وتبني استراتيجيات تحول رقمي شاملة وفعالة تواكب لغة العصر.

إذا اتبعت الحكومات العربية أساليب حكيمة وعلمية لإدارة تحولات الأجيال، فإنها ستعزز بلا شك من فرص التكامل الاجتماعي والانتقال السلس والآمن إلى الرؤى الجديدة والمستقبلية. إن دعمنا الحقيقي للجيل الجديد وتمكينه يكون بتسليحه الفعلي بالعلم والمعرفة والمهارات المتقدمة.

الدستور