من يحكم الذكاء الاصطناعي؟ ولماذا يحتاج الأردن إلى إطار وطني متكامل للحوكمة؟

من يحكم الذكاء الاصطناعي؟ ولماذا يحتاج الأردن إلى إطار وطني متكامل للحوكمة؟

خلال العقود الماضية، انشغلت الحكومات والمؤسسات بسؤال رئيسي،،، كيف نواكب الثورة الرقمية ونستثمر فرصها الاقتصادية؟ وأما اليوم، فقد أصبح السؤال أكثر تعقيداً،،، كيف نضمن أن تظل التكنولوجيا خاضعة للقرار الإنساني والمؤسسي، وأن تخدم الاقتصاد والمجتمع دون أن تتحول إلى مصدر جديد للمخاطر؟

فالذكاء الاصطناعي ليس مجرد تقنية لتحسين الإنتاجية، بل عنصر مؤثر في صناعة القرارات المصرفية والاستثمارية والطبية والقضائية والإدارية، وفي تخصيص الموارد وتقييم الأفراد وإدارة الخدمات العامة، ولم تعد آثاره محصورة في المؤسسة التي تستخدمه؛ إذ يمكن أن تمتد إلى حقوق العملاء والمستثمرين والمواطنين، وإلى الثقة بالأسواق والمؤسسات.

ومن واقع خبرة مهنية امتدت لثلاثة عقود في المصرفية الإسلامية والحوكمة وإدارة المخاطر والاستثمار والتحول المؤسسي، أرى أن القضية التي تستحق اهتمام صناع القرار ليست سرعة تبني الذكاء الاصطناعي وحدها، وإنما القدرة على بناء منظومة مؤسسية تضمن سلامة استخدامه، وتحدد المسؤولية عن قراراته، وتقيس مخاطره، وتوفر آليات مستقلة للرقابة والمساءلة.

فالخطر الحقيقي ليس في استخدام الذكاء الاصطناعي، وإنما في انتقال سلطة التأثير في القرارات إلى أنظمة لا تخضع لحوكمة واضحة أو مساءلة فعالة.

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل مفهوم القوة الاقتصادية

لم تعد القدرة التنافسية للدول تعتمد على الموارد الطبيعية ورأس المال والبنية التحتية وحدها؛ فقد أصبحت البيانات والقدرات الحاسوبية والخوارزميات والمهارات البشرية عناصر مؤثرة في الإنتاجية والاستثمار ونوعية الخدمات ومكانة الاقتصادات.

لكن امتلاك التكنولوجيا لا يعني امتلاك القدرة على إدارتها والتحكم الأمين بمخرجاتها،،، فقد تستثمر مؤسسة ملايين الدنانير في تطوير أنظمة ذكية، ثم تتعرض لخسائر مالية أو قانونية أو تشغيلية بسبب ضعف جودة البيانات، أو انحياز النماذج، أو الاعتماد المفرط على مزود خارجي، أو غياب المسؤولية عن القرارات الآلية.

وهنا يظهر الفرق بين التحول الرقمي والتحول المؤسسي؛ فالأول يغير الأدوات والعمليات، بينما يعيد الثاني بناء المسؤوليات والضوابط والقدرات ونموذج اتخاذ القرار.

ومن منظور استثماري، فإن الحوكمة ليست تكلفة إضافية على التكنولوجيا، بل إحدى الأدوات التي تحمي قيمة الاستثمار وتخفض احتمالات الخسائر وتعزز ثقة المستثمرين والمستخدمين.

والدولة التي تستثمر في الذكاء الاصطناعي دون أن تستثمر في حوكمته قد تبني قدرات تكنولوجية أسرع من قدرتها المؤسسية على السيطرة على مخاطرها.

الأردن لا يبدأ من الصفر،،، الأردن يمتلك قاعدة مؤسسية يمكن البناء عليها؛ فقد أقر السياسة الأردنية للذكاء الاصطناعي عام 2020، والاستراتيجية الوطنية للأعوام 2023–2027، التي تتضمن جملة من المشروعات، إلى جانب الميثاق الوطني لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي، وقانون حماية البيانات الشخصية رقم 24 لسنة 2023.

كما أصدر البنك المركزي الأردني إطاراً تنظيمياً لاستخدامات الذكاء الاصطناعي في القطاع المصرفي، يتناول الحوكمة وإدارة المخاطر والبيانات والأمن والامتثال ومخاطر الأطراف الخارجية.

وما سبق يمثل خطوات مؤسسية مهمة، لكن التحدي التالي يتمثل في ضمان تكاملها وتحويلها إلى منظومة وطنية ذات متطلبات تنفيذية واضحة، تتناسب مع طبيعة المخاطر في القطاعات المختلفة.

فالميثاق الأخلاقي يضع المبادئ، والاستراتيجية تحدد الاتجاهات والأولويات، بينما تتطلب الحوكمة التنفيذية توزيع المسؤوليات، وتصنيف الاستخدامات بحسب مخاطرها، وفرض الضوابط المناسبة، وتحديد متطلبات الإفصاح والتدقيق والمساءلة.

والمطلوب ليس استنساخ تشريع دولي أو إنشاء هياكل رقابية موازية، بل تطوير الإطار الأردني القائم، والاستفادة من الخبرات التنظيمية المتاحة، وتجنب ازدواجية الاختصاصات والأعباء غير الضرورية على الابتكار والاستثمار.

ولعل السؤال الأبرز اليوم ،،، من يتحمل مسؤولية القرار الخوارزمي؟ ولنفترض أن نظاماً مصرفياً رفض طلب تمويل بسبب تقييم ائتماني آلي، ثم تبين أن النموذج اعتمد بيانات غير دقيقة أو أنتج نتائج منحازة، فمن يتحمل المسؤولية،،، البنك، أم الشركة المطورة، أم الإدارة التي اعتمدت النموذج؟

ولنفترض أن جهة عامة استخدمت نظاماً ذكياً لترتيب المستفيدين من خدمة أساسية، دون وجود آلية تسمح للمتضرر بفهم أسباب القرار أو الاعتراض عليه.

هذه ليست إشكاليات تقنية مجردة، بل مسائل تتصل بالمسؤولية القانونية وحماية البيانات والعدالة والحوكمة المؤسسية.

ومن منظور قانوني، لا يصح اعتبار الخوارزمية مركزاً مستقلاً للمسؤولية؛ بل ينبغي تحديد التزامات الأطراف المعنية بتطوير النظام وتوريده واعتماده وتشغيله والرقابة عليه، وفق التشريعات والعلاقات التعاقدية والقواعد المنظمة لكل قطاع.

وبالتالي لا يجوز أن تتحول الخوارزمية إلى ستار يحجب المسؤولية؛ فكل قرار مؤثر في الحقوق أو الأموال يجب أن يقابله طرف مسؤول وآلية واضحة للمراجعة والمساءلة.

ويقدم القطاع المالي نموذجاً بالغ الأهمية لاختبار فاعلية حوكمة الذكاء الاصطناعي وعلاقتها بالمخاطر المؤسسية؛ إذ تُستخدم تطبيقاته في تقييم الجدارة الائتمانية وكشف الاحتيال ومكافحة غسل الأموال وإدارة الاستثمارات وتحليل سلوك العملاء.

لكن تطوير نموذج ذكي قادر على تحليل ملايين العمليات لا يعني التسليم بأن نتائجه سليمة أو أن مخاطره تحت السيطرة.

فقد يؤدي الاعتماد على بيانات تاريخية غير ممثلة إلى قرارات ائتمانية غير عادلة، وقد تنتج النماذج الاستثمارية تقديرات مضللة عند تغير ظروف السوق، بينما قد يؤدي الاعتماد على مزود تقني واحد إلى تركيز المخاطر التشغيلية.

وتزداد حساسية المسألة في المؤسسات المالية الإسلامية، حيث ينبغي ألا تؤدي أتمتة المنتجات والقرارات إلى إضعاف الضوابط المتعلقة بالالتزام الشرعي، أو الفصل بين مراحل المعاملة أو المسؤولية عن تنفيذها.

ومن واقع الممارسة في الحوكمة والتدقيق الشرعي وإدارة المخاطر، فإن سلامة تصميم النظام لا تكفي؛ بل يجب اختبار كيفية عمله فعلياً، ومتابعة نتائجه، والتحقق من استمرار التزامه بالمتطلبات التنظيمية والتعاقدية والشرعية ذات الصلة،،، ولهذا ينبغي أن تدخل مخاطر الذكاء الاصطناعي ضمن منظومة المخاطر المؤسسية، لا أن تبقى مسؤولية منفردة لإدارة تكنولوجيا المعلومات.

وتقدم التجارب الدولية نماذج تنظيمية يمكن للأردن الاستفادة منها؛ فقد اعتمد الاتحاد الأوروبي قانوناً للذكاء الاصطناعي يقوم على التمييز بين الاستخدامات بحسب مستوى المخاطر، مع تطبيق متدرج للمتطلبات التنظيمية،،، كما أصدر المعهد الوطني الأمريكي للمعايير والتكنولوجيا NIST إطاراً لإدارة مخاطر الذكاء الاصطناعي يرتكز على الحوكمة وتحديد المخاطر وقياسها وإدارتها، فيما يقدم المعيار الدولي ISO/IEC 42001:2023 متطلبات لإنشاء نظام مؤسسي لإدارة الذكاء الاصطناعي وتحسينه باستمرار.

ولعل الدرس الأهم لنا في الأردن هو أن التنظيم الفعال يجب أن يكون قائماً على المخاطر، فلا تُعامل التطبيقات المحدودة الأثر بالصرامة ذاتها المفروضة على الأنظمة التي تؤثر في الحقوق أو الصحة أو الأموال أو الخدمات الأساسية.

فالحوكمة الناجحة لا تعطل الابتكار، بل تحدد المساحة التي يستطيع الابتكار أن ينمو داخلها دون تعريض المؤسسات والمجتمع لمخاطر غير مقبولة.

ثلاثة قرارات تنفيذية مطلوبة

وبناء على ما سبق ،،، فأقترح على صناع القرار ثلاثة مسارات عملية يمكن البناء عليها خلال المرحلة المقبلة:

أولاً: تطوير إطار وطني متكامل لحوكمة الذكاء الاصطناعي.
تتولى وزارة الاقتصاد الرقمي والريادة، بالتنسيق مع الجهات الرقابية والقطاعية المختصة، تطوير الإطار القائم من خلال تحديد مستويات المخاطر، ومتطلبات الشفافية، والمسؤوليات القانونية والمؤسسية، وضوابط حماية البيانات، وآليات الاعتراض والمراجعة البشرية للقرارات عالية الأثر.
وينبغي أن يتضمن الإطار قواعد للتعامل مع الأنظمة المستوردة والخدمات السحابية ومخاطر الاعتماد على الأطراف الخارجية، مع مراعاة الأمن الوطني والسيادة على البيانات ومتطلبات الاستثمار والابتكار.

ثانياً: إدماج حوكمة الذكاء الاصطناعي في مسؤوليات مجالس الإدارة.
ينبغي اعتماد متطلبات قطاعية، تبدأ بالمؤسسات المالية والجهات التي تدير بيانات أو خدمات عالية الحساسية، تلزم المؤسسات بتحديد المسؤول عن منظومة الذكاء الاصطناعي، وإنشاء سجل للتطبيقات والمخاطر، وإجراء تقييمات قبل التشغيل وخلاله، وتقديم تقارير دورية لمجالس الإدارة.
ولا يكتمل ذلك دون إخضاع الأنظمة عالية المخاطر للاختبار والتدقيق المستقل، وتحديد حدود واضحة للتدخل البشري والتصعيد عند وقوع الحوادث أو ظهور نتائج غير مقبولة.

ثالثاً: تأسيس مركز وطني للتميز في حوكمة الذكاء الاصطناعي.
ويمكن تأسيسه كذراع فنية متخصصة ضمن البنية المؤسسية الوطنية القائمة، بالشراكة بين الحكومة والجامعات والقطاع المالي وشركات التكنولوجيا، ليتولى تطوير الأدلة التطبيقية وبناء القدرات وتوفير مختبرات لاختبار النماذج، ودعم الجهات الرقابية في تقييم المخاطر، كما يمكن أن يشكل منصة لدعم الشركات الناشئة والمستثمرين في تطوير تطبيقات موثوقة، وتحويل الحوكمة من متطلب امتثال إلى ميزة تنافسية في الاقتصاد الأردني.

ولعل المطلوب أردنياً اليوم الانتقال من امتلاك التكنولوجيا إلى امتلاك القدرة المؤسسية،،، فالأردن أمام فرصة لتطوير نموذج وطني يجمع بين الابتكار المسؤول وحماية الحقوق والاستقرار المالي وجاذبية الاستثمار.
لكن تحقيق ذلك يتطلب النظر إلى الذكاء الاصطناعي باعتباره قضية حوكمة وتحول مؤسسي واقتصاد وحقوق، لا مجرد ملف تقني.
والسؤال الذي ينبغي أن يصل إلى مجلس الوزراء والجهات الرقابية ومجالس إدارات المؤسسات ليس فقط،،، كم استثمرنا في الذكاء الاصطناعي؟ بل ما مستوى المخاطر التي نتحملها؟ ومن المسؤول عنها؟ وهل نمتلك القدرة على اكتشافها ومعالجتها قبل أن تتحول إلى أزمات؟
فالقيمة الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي لا تُقاس بقدرة الآلة على اتخاذ القرار وحدها، وإنما بقدرة الإنسان والمؤسسة والدولة على ضمان سلامة ذلك القرار وتحمل المسؤولية عن آثاره.

* مستشار المصرفية الإسلامية والحوكمة والاستثمار والتحول المؤسسي