دعوا البيانات تتحدث: قراءة هادئة في نظام التوجيهي الجديد

دعوا البيانات تتحدث: قراءة هادئة في نظام التوجيهي الجديد

في خضم النقاشات الواسعة التي تشهدها الساحة الأردنية حول نظام التوجيهي الجديد، وما يرتبط به من مسارات وحزم وحقول تعليمية، ربما يكون من المهم التوقف أولاً عند حقيقة تستحق التقدير قبل الخوض في تفاصيل الاختلافات والآراء المتباينة.

فمجرد وجود هذا النقاش الحيوي في الميدان التربوي، وبين المعلمين وأولياء الأمور والطلبة ومختلف فئات المجتمع، يمثل بحد ذاته ظاهرة صحية ومؤشراً إيجابياً على اهتمام الأردنيين بالتعليم باعتباره قضية وطنية تمس مستقبل أبنائهم ومستقبل الوطن.

ويُحسب لوزارة التربية والتعليم وتنمية الموارد البشرية أنها تتعامل مع كثير من الملاحظات التي تطرح في المجتمع بوصفها تغذية راجعة تستحق الاستماع والبحث والمناقشة. فقد شهدنا في أكثر من مناسبة طرح تساؤلات أو ملاحظات من قبل المواطنين، لتعود الوزارة وتناقشها بصورة مباشرة، ويخرج الوزير أو من يمثله لتوضيحها وشرح أبعادها. وهذه الثقافة المؤسسية جديرة بالتقدير، لأن الأنظمة التعليمية لا تتطور داخل المكاتب المغلقة فقط، وإنما تنضج وتتحسن عندما يصغي صانع القرار إلى المعلم والطالب وولي الأمر والمجتمع، وينظر إلى الملاحظات باعتبارها فرصاً للمراجعة والتحسين لا معوقات للتغيير.

وفي الوقت نفسه، علينا أن نتذكر حقيقة أساسية في علم التطوير والإصلاح التربوي، وهي أن التجربة الأولى لأي نظام جديد لا يمكن أن تكون مكتملة منذ اللحظة الأولى. فمن الطبيعي أن تظهر خلال مراحل التطبيق أسئلة وتحديات وجوانب تحتاج إلى مراجعة أو تعديل أو تحسين. وهذا لا يعني بالضرورة أن الفكرة الأساسية للنظام غير سليمة، كما أن الإيمان بالفكرة لا يعني إغلاق الباب أمام النقد أو المراجعة. المهم أن نميز بين النقد الذي يهدف إلى تحسين التجربة وتطويرها، والنقد الذي يُمارس لمجرد الاعتراض أو رفض التغيير.

ومن هنا، أرى أن من الحكمة منح التجربة الوقت الكافي لإظهار نتائجها، وأن نتعامل مع ما يخرج من الميدان التربوي بوصفه مؤشرات وبيانات تساعدنا على اتخاذ قرارات أفضل، لا أحكاماً مسبقة على نجاح النظام أو فشله قبل أن تكتمل صورة المشهد.

وقد أثير خلال الأيام الماضية موضوع يتعلق باشتراط بعض الدول، ومنها جمهورية مصر العربية الشقيقة، إجراء اختبارات قبول أو تقييم إضافية لبعض الطلبة الأردنيين الراغبين في الالتحاق بجامعاتها، سواء في الطب أو في تخصصات أخرى. وبصراحة، لا أرى في مجرد وجود هذه الاختبارات مؤشراً على ضعف نظام الثانوية العامة الأردني أو التشكيك في مخرجاته.

فلكل دولة الحق في وضع سياساتها ومعاييرها الخاصة بالقبول الجامعي، كما أن لكل جامعة أهدافها ومتطلباتها. وكما قد يُطلب من الطالب الراغب بالدراسة في دولة أجنبية اجتياز اختبار لغة أو دراسة سنة تحضيرية، فإن العديد من دول العالم تعتمد اختبارات قبول أو قدرات أو استعداد أكاديمي تتوافق مع فلسفتها التعليمية ومتطلبات برامجها الجامعية.

وفي الولايات المتحدة، على سبيل المثال، عُرفت اختبارات مثل SAT وACT لعقود طويلة كأدوات لقياس الاستعداد الأكاديمي للالتحاق بالتعليم الجامعي. وفي بريطانيا تستخدم بعض الجامعات المرموقة اختبارات قدرات متخصصة مثل TMUA وMAT للقبول في برامج معينة. كما تعتمد دول ومؤسسات تعليمية أخرى أشكالاً مختلفة من اختبارات التقييم والقبول وفقاً لأهدافها ومعاييرها الخاصة.

لذلك، فإن المعيار الحقيقي ليس وجود الاختبار من عدمه، وإنما كيفية أداء طلبتنا فيه. دعونا ننتظر النتائج أولاً. كيف سيتعامل الطلبة مع الأسئلة؟ كيف سيوظفون ما تعلموه؟ وما مدى قدرتهم على التحليل والفهم وتطبيق المعرفة في مواقف جديدة؟ هنا فقط تبدأ البيانات في الحديث بلغة أكثر دقة وموضوعية.

فنحن نتفق جميعاً تقريباً على ضرورة الانتقال من ثقافة حفظ المعرفة إلى ثقافة توظيفها وإنتاجها، ومن التركيز على التذكر إلى التركيز على الفهم والتطبيق والتحليل. وإذا كنا جادين في هذا التحول، فلا بد أن نقيسه بأدوات حقيقية قادرة على إظهار مستوى هذه المهارات لدى الطلبة.

لا نريد أن نحكم على أي نظام تعليمي من خلال الانطباعات أو التخمينات أو المواقف المسبقة، بل من خلال الأدلة والنتائج والبيانات. وعندما تتوافر البيانات، يمكننا تحليلها بموضوعية، واكتشاف مواطن القوة وتعزيزها، وتحديد مواطن الضعف والعمل على معالجتها.

غير أن النقاش يتجاوز في الحقيقة حدود التوجيهي الجديد واختبارات القبول الخارجية. فنحن نعيش اليوم في عالم يتغير بوتيرة غير مسبوقة، تقوده التكنولوجيا، ويعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل كثير من مفاهيمه وأدواته وأسواق العمل فيه. وفي مثل هذا العالم، يصبح من الطبيعي أن نعيد النظر في فلسفة التقييم نفسها، سواء في المدرسة أو الثانوية العامة أو مؤسسات التعليم العالي.

فالأدوات التي كانت مناسبة لعالم الأمس قد لا تكون كافية لعالم يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي الوصول إلى المعلومة وتحليلها وإنتاج إجابات متكاملة خلال ثوانٍ معدودة. لم يعد السؤال الأكثر أهمية هو: ماذا يعرف الطالب؟ بل أصبح السؤال الأهم: ماذا يستطيع أن يفعل بما يعرف؟

إننا بحاجة إلى أنظمة تقييم تقيس الفهم العميق، والتفكير النقدي، والتحليل، والإبداع، وحل المشكلات، والقدرة على تطبيق المعرفة في مواقف واقعية، إلى جانب القدرة على توظيف الأدوات الحديثة، بما فيها أدوات الذكاء الاصطناعي، بصورة أخلاقية وفعالة.

والأهم من ذلك أن يتحول التقييم من مجرد أداة لمنح العلامات إلى أداة تقود التعلم نفسه. فالتقييم الجيد لا يخبرنا فقط بمستوى الطالب، بل يكشف الفجوات التعليمية، ويوضح ما يحتاجه الطالب للتقدم، وما يحتاجه المعلم لتحسين ممارساته التعليمية. وبذلك يصبح التقييم أداة للتطوير والتحسين المستمر، لا مجرد وسيلة للفرز أو التصنيف.

وهذا، في تقديري، يحتاج إلى ما يشبه "الثورة الهادئة" في فلسفة التقييم التربوي، تشمل إعادة النظر في أدوات القياس، وبناء الاختبارات، وتوزيع العلامات، وطبيعة الأسئلة، والأهداف التي نسعى إلى قياسها لدى أبنائنا.

ولعل توحيد الرؤية التعليمية في ظل دمج وزارتي التربية والتعليم والتعليم العالي وتنمية الموارد البشرية يتيح فرصة مهمة لفتح هذا الملف بصورة أكثر شمولاً واتساعاً، بحيث تمتد عملية التطوير من المدرسة إلى الجامعة، ومن الامتحان إلى التعلم، ومن العلامة إلى الكفاية والجدارة.

فنحن لا نريد طالباً يتقن اجتياز الاختبار فحسب، بل نريد خريجاً قادراً على المنافسة والابتكار والنجاح في عالم مفتوح. وعندما نتحدث عن التخصصات المطلوبة أو غير المطلوبة، أو عن تشبع بعض المهن في السوق المحلي، فإن علينا أن نتذكر أن حدود المنافسة لم تعد تقف عند الجغرافيا الوطنية.

لقد أصبح العالم كله سوق عمل واحداً إلى حد كبير. وبات بإمكان الشاب الأردني أن يعمل من منزله في الأردن لصالح مؤسسة في أي دولة من دول العالم، إذا امتلك المعرفة والمهارات والكفايات والأدوات التي تؤهله لذلك.

لهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: كم حصل الطالب في الامتحان؟ وإنما: ماذا يستطيع أن ينتج؟ وكيف يمكنه أن يوظف معارفه ومهاراته؟ وهل أعددناه فعلاً لعالم يتغير كل يوم؟

إن النقاش الدائر حول نظام التوجيهي الجديد يجب ألا يتحول إلى معركة بين مؤيد ومعارض، بل إلى فرصة وطنية حقيقية لمراجعة منظومتنا التعليمية برمتها. نناقش، ونختلف، ونقترح، ونراجع، ونصحح، ثم نعود إلى البيانات والنتائج.

فإذا أثبتت الأدلة أن هناك جوانب تحتاج إلى تطوير، فعلينا أن نطورها بشجاعة. وإذا أثبتت نجاح النظام في تحقيق أهدافه، فعلينا أن نعترف بذلك أيضاً.

فالغاية ليست الانتصار في النقاش، وإنما نجاح أبنائنا.

وفي النهاية، لن نستطيع بناء تعليم للمستقبل بأدوات قياس صممت لعالم الماضي. فلنمنح التجربة فرصتها، ولنمارس النقد البناء عندما تستدعي الحاجة، ولكن قبل كل شيء، دعوا البيانات تتحدث، ودعوا القرارات التربوية تُبنى على الأدلة لا على الانطباعات.