ولي العهد يرسم طريق الابتكار… فأين تقف جامعاتنا من تحويل البراءة إلى منتج؟

ولي العهد يرسم طريق الابتكار… فأين تقف جامعاتنا من تحويل البراءة إلى منتج؟

التوجه الوطني واضح

في الثالث والعشرين من شباط 2026، وجّه سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، إلى تطوير منظومة البحث العلمي والابتكار في الأردن، ووضع أولويات للبحث العلمي، والاستفادة من الكفاءات والمؤسسات العلمية الأردنية لتعزيز الاستثمار، وتهيئة البيئة المناسبة لجعل المملكة حاضنة للابتكار والريادة التكنولوجية.

الديوان الملكي الهاشمي

وفي الخامس عشر من تموز 2026، رعى سموه في الجامعة الأردنية ملتقى «دور الجامعات في قيادة منظومة الابتكار الوطنية»، وافتتح دارة العلوم والشركات الناشئة التي تهدف إلى تحويل الأبحاث العلمية والتقنيات الواعدة إلى شركات قابلة للنمو والاستثمار.

وتناولت جلسات الملتقى ريادة الأعمال، والشركات المنبثقة عن الجامعات، وآليات تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية، ودعم الشركات الناشئة القائمة على البحث العلمي.

الديوان الملكي الهاشمي⁠
إذن، فالتوجه الوطني الذي يقوده سمو ولي العهد واضح: البحث العلمي لا ينبغي أن يتوقف عند النشر أو تسجيل البراءة، بل يجب أن يتحول إلى قيمة اقتصادية ومنتج وشركة وفرصة عمل.

ومن هنا يصبح السؤال وطنيًا ومشروعًا، وليس اتهاميًا:

أين تقف جامعاتنا من ترجمة ما يدعو إليه سمو ولي العهد إلى نتائج تطبيقية قابلة للقياس؟

البراءة ليست أثرًا بذاتها

يجب عدم الخلط بين طلب البراءة، والبراءة الممنوحة، والبراءة المرخّصة، والبراءة التي تحولت إلى منتج أو علاج أو شركة.

البراءة الممنوحة هي حماية قانونية لفكرة أو اختراع، لكنها لا تثبت وحدها أن الاختراع وصل إلى السوق أو حقق أثرًا اقتصاديًا أو اجتماعيًا.

حتى التصنيف الرسمي للأكاديمية الوطنية للمخترعين NAI يؤكد أن كثرة البراءات لا تعني بالضرورة ارتفاع قيمة التكنولوجيا أو نجاحها في الترخيص والوصول إلى السوق.
لذلك فإن القياس العلمي الحقيقي لا يكتفي بعدد البراءات، بل يجمع بين:
البراءات الممنوحة.

اتفاقيات الترخيص.

المنتجات التي وصلت إلى السوق.

الشركات الناشئة الناتجة عنها.

فرص العمل.

التمويل الخارجي.

والعوائد الاقتصادية.

ماذا تقول المقارنة الدولية؟

الأرقام العالمية والعربية التالية تمثل براءات منفعة أميركية مُنحت خلال عام 2025 وفق التصنيف الرسمي للأكاديمية الوطنية للمخترعين.

أما الأرقام الأردنية، فتمثل طلبات PCT دولية خلال 2022–2024 وفق المنظمة العالمية للملكية الفكرية WIPO، بسبب عدم وجود تقرير أردني موحد ومعلن يحصر البراءات الممنوحة والمرخصة والمسوّقة.

لذلك لا يجوز اعتبار الرقمين متماثلين تمامًا؛ فالبراءة الممنوحة ليست كطلب PCT، والمقارنة هنا تكشف حجم الفجوة في الإنتاج والشفافية، ولا تمثل ترتيبًا مباشرًا متكافئًا.

أولًا: جامعة كاليفورنيا

حصل نظام جامعة كاليفورنيا على 571 براءة منفعة أميركية خلال عام 2025، محتلًا المركز الأول عالميًا.

يمتلك النظام أكثر من 6,800 براءة أميركية فعّالة.

تأسست منذ عام 1980 نحو 1,600 شركة ناشئة اعتمادًا على تقنيات مرخّصة من الجامعة.

هنا لا يُنشر عدد البراءات فقط، بل تُنشر معه الشركات والتراخيص والأثر الاقتصادي.

ثانيًا: معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا MIT

حصل MIT على 291 براءة أميركية خلال عام 2025.
خلال سنته المالية 2025 نفذ 90 اتفاقية ترخيص.
أسهم في إنشاء 38 شركة ناشئة.
حقق نحو 60.9 مليون دولار من الترخيص والحصص.

هذه الأرقام توضح رحلة الابتكار من الإفصاح العلمي إلى الحماية القانونية، ثم الترخيص والشركة والعائد.

ثالثًا: جامعة Stanford

حصلت Stanford على 201 براءة أميركية خلال عام 2025.

لديها أكثر من 170 منتجًا محميًا ببراءات يحقق دخلًا من الترخيص.

وفي عام 2024 وقّعت 114 اتفاقية وأسهمت في إنشاء 23 شركة ناشئة.

الأثر هنا لا يُقاس بعدد البراءات وحده، بل بعدد المنتجات التي دخلت الاستخدام وحققت عائدًا.

رابعًا: جامعة Michigan

حصلت جامعة Michigan على 177 براءة أميركية خلال عام 2025. وخلال سنتها المالية 2025 نفذت 326 اتفاقية ترخيص.

وأسهمت في إنشاء 31 شركة ناشئة.

لا يعني ذلك أن جميع الاتفاقيات تعود إلى براءات صدرت في السنة نفسها، لكنه يثبت وجود منظومة نشطة لنقل المعرفة إلى السوق.

خامسًا: جامعة الملك فهد للبترول والمعادن

حصلت جامعة الملك فهد على 320 براءة أميركية خلال عام 2025.
احتلت بذلك المركز الثاني عالميًا، متقدمة عدديًا على MIT وStanford.
تمتلك الجامعة منظومة لتقييم الجاهزية التقنية والجدوى السوقية، وترخيص الملكية الفكرية للشركات القائمة أو الشركات الناشئة.
لكن الرقم الذي لم أجده منشورًا بوضوح هو: كم براءة من هذه البراءات تحولت بالفعل إلى منتج أو مصنع أو مبيعات أو عائد اقتصادي؟
وهذا لا ينفي وجود أثر، ولكنه يعني أن عدد البراءات وحده لا يكفي للحكم على حجم ذلك الأثر.

سادسًا: جامعة الملك سعود

حصلت جامعة الملك سعود على 95 براءة أميركية خلال عام 2025.
وتعلن امتلاك أكثر من 1,597 براءة تراكمية.
كما تعلن وجود أكثر من 30 شركة ناشئة فعّالة.
لكن لا توجد مطابقة منشورة توضح عدد البراءات التي تحولت إلى كل شركة أو منتج، والعوائد الناتجة عنها.

سابعًا: جامعة الإمارات العربية المتحدة

حصلت جامعة الإمارات على 57 براءة أميركية خلال عام 2025.
تجاوز رصيدها التراكمي 400 براءة ممنوحة عالميًا خلال عام 2026.
يوجد مثال موثق لترخيص براءتين أميركيتين لإنتاج مواد نانوكربونية للاستخدام الصناعي.
الأثر التطبيقي موجود، لكن العدد الكلي للبراءات التي تحولت إلى منتجات أو عوائد لا يزال غير منشور بصورة شاملة.

ماذا عن الجامعات الأردنية؟

وفق أحدث ملف إحصائي للأردن صادر عن WIPO، كانت الجامعات بين أبرز مقدمي طلبات PCT الدولية خلال 2022–2024.
تصدرت جامعة عمّان الأهلية القائمة الأردنية بـ 14 طلب PCT.
تلتها جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية بـ 9 طلبات.
ثم الجامعة الأردنية بـ 3 طلبات.
بلغ مجموع الجامعات الأردنية الثلاث 26 طلبًا دوليًا خلال ثلاث سنوات: 14 + 9 + 3.

جامعة عمّان الأهلية

سجلت 14 طلب PCT دوليًا خلال 2022–2024.
لديها طلب براءة مشترك مع الجامعة الأردنية والجامعة الهاشمية لمركب علاجي محتمل للسرطان.
لكن تسجيل طلب البراءة لا يعني أن المركب وصل إلى التجارب السريرية أو أصبح دواءً متاحًا في السوق.

جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية

سجلت 9 طلبات PCT دولية.
توجد براءة لتسريع إنبات البذور باستخدام تقنية النانو، وقد جرى اختبارها حقليًا وفي ظروف طبيعية.
توجد كذلك براءات أميركية في مجالات طبية وهندسية وتقنية.
لكن لا يوجد رقم منشور يوضح عدد البراءات التي رُخصت، أو حجم المبيعات والعوائد والشركات التي نتجت عنها.

الجامعة الأردنية

سجلت 3 طلبات PCT دولية خلال الفترة نفسها.
توجد لديها براءات وطلبات في أجهزة كشف الميكروبات المحمولة جوًا، والمركبات الدوائية والأجهزة الطبية.
لكن لا يوجد رقم مؤسسي معلن يوضح عدد ما تحول منها إلى منتج أو اتفاقية ترخيص أو شركة أو عائد مالي.

النتيجة العلمية الصادمة

حصلت جامعة الملك فهد في سنة واحدة على 320 براءة أميركية، مقابل 291 لـMIT، و201 لـStanford.
لكن MIT وStanford تنشران بالتوازي أعداد التراخيص والشركات الناشئة والمنتجات والعوائد المالية.
هنا يظهر الفرق بين امتلاك البراءة وصناعة الأثر.
الجامعات الأردنية الثلاث الأعلى في طلبات PCT سجلت معًا 26 طلبًا خلال ثلاث سنوات.
الأخطر من محدودية الرقم هو عدم وجود لوحة وطنية موحدة تجيب عن الأسئلة التالية:
كم طلب براءة قدمت كل جامعة؟
كم براءة مُنحت؟
كم براءة ما زالت سارية؟
كم براءة رُخصت؟
كم براءة تحولت إلى منتج؟
كم شركة نشأت عنها؟
كم فرصة عمل صنعت؟
كم استثمارًا جذبت؟
وكم دينارًا حققت؟

عشرة مؤشرات يجب أن تنشرها كل جامعة أردنية

1. عدد البراءات الممنوحة سنويًا، وليس عدد الطلبات أو الأخبار المنشورة عنها.
2. نسبة التحول إلى ترخيص: عدد البراءات المرخصة مقسومًا على عدد البراءات الممنوحة.
3. نسبة التحول إلى منتج أو خدمة وصلت بالفعل إلى السوق أو الاستخدام المؤسسي.
4. المدة من الإفصاح عن الاختراع إلى الترخيص، مع نشر الوسيط الإحصائي، لا المتوسط وحده.
5. عدد الشركات الناشئة الناتجة عن ملكية فكرية جامعية، ونسبة بقائها بعد ثلاث وخمس سنوات.
6. العائد المالي من التراخيص، مع الفصل بين رسوم الترخيص والعوائد السنوية وحصص الجامعة في الشركات.
7. حجم التمويل الخارجي الذي جذبته البراءات من الشركات والمستثمرين والصناديق.
8. عدد فرص العمل المستدامة التي نتجت عنها، وليس عدد المشاركين في المسابقات والتدريب.
9. عدد البراءات التي دخلت تطبيقًا سريريًا أو صناعيًا أو زراعيًا موثقًا، مع تحديد مستوى الجاهزية التقنية أو السريرية.
10. العائد مقابل الإنفاق البحثي: كم دينارًا من الترخيص والاستثمار نتج عن كل مليون دينار أُنفق على البحث والتطوير؟

ما المطلوب وطنيًا؟

إنشاء مرصد وطني لبراءات الجامعات ونقل التكنولوجيا، تشارك فيه وزارة التعليم العالي ووزارة الصناعة والتجارة وصندوق دعم البحث والتطوير والجامعات الرسمية والخاصة.
إصدار تقرير سنوي موحد ومدقق، حتى لا تختار كل جامعة التعريف الذي يرفع رقمها إعلاميًا.
تخصيص رقم تعريفي لكل ابتكار يتيح تتبع رحلته منذ الإفصاح عنه، مرورًا بالحماية والتطوير والترخيص، وصولًا إلى المنتج والسوق.
إنشاء صندوق وطني لتمويل إثبات المفهوم Proof of Concept؛ لأن كثيرًا من الابتكارات يتوقف بين الورقة العلمية والنموذج الأولي.
تطوير مكاتب نقل التكنولوجيا داخل الجامعات، لتضم خبرات في:
تقييم السوق.
الملكية الفكرية.
التفاوض والترخيص.
التطوير الصناعي.
التمويل والاستثمار.
المتطلبات التنظيمية والسريرية.

عدم تقييم عضو هيئة التدريس بعدد الأبحاث والبراءات فقط، بل بما حققه من نقل معرفة وترخيص وتطبيق وشراكة صناعية وأثر مجتمعي.
ربط جزء من التمويل الحكومي بنتائج قابلة للقياس، مع الحفاظ على قيمة البحث الأساسي الذي لا يستهدف تطبيقًا مباشرًا، وعدم تقديمه إعلاميًا على أنه منتج اقتصادي قبل أن يصبح كذلك.

الإعلان عن البراءات التي انتهت حمايتها أو تخلت الجامعة عنها، كما تعلن الجامعات عن البراءات الجديدة.
بناء شراكات مبكرة بين الباحثين والقطاعات الطبية والصيدلانية والهندسية والزراعية والتكنولوجية، حتى يبدأ البحث من مشكلة وطنية أو صناعية حقيقية.
تفعيل دور السفارات والملحقيات الاقتصادية والتجارية في فتح أسواق الترخيص والاستثمار أمام الابتكارات الأردنية القابلة للتصدير.

السؤال لا يسيء إلى جامعاتنا

لسنا ضد الجامعات، ولسنا ضد البحث العلمي، ولسنا ضد تسجيل المزيد من البراءات.
كما أن غياب التطبيق لا يعني بالضرورة فشل الباحث؛ فقد تكون المشكلة في التمويل أو البيئة التنظيمية أو ضعف نقل التكنولوجيا أو غياب الشريك الصناعي.
السؤال ينصف الباحث الأردني؛ لأنه لا يترك اختراعه وحيدًا بعد منحه شهادة البراءة.
والتكريم الحقيقي للباحث ليس وضع البراءة في إطار، بل مساعدته على تحويلها إلى منتج يحمي حياة، أو يحل مشكلة، أو يرفع الإنتاجية، أو يؤسس شركة، أو يوفر فرصة عمل.

الخلاصة

قد تتفوق جامعة في عدد البراءات، لكنها لا تتفوق بالضرورة في الابتكار التطبيقي.

وقد تكون براءة واحدة تحولت إلى دواء أو جهاز أو صناعة أكثر قيمة من مئة براءة لم تغادر الملفات.

الجامعة التي لا تستطيع أن تعلن بدقة كم براءة رُخصت، وكم منتجًا وصل إلى السوق، وكم شركة وُلدت، وكم فرصة عمل أُنشئت، وكم عائدًا تحقق؛ لا تملك حتى الآن منظومة متكاملة لقياس أثر الابتكار.

ما يدعو إليه سمو ولي العهد واضح: بحث علمي بأولويات وطنية، وبيئة حاضنة للابتكار، ومعرفة تتحول إلى قيمة اقتصادية وشركات قابلة للنمو والاستثمار.

ولذلك يبقى السؤال مشروعًا وضروريًا:

أين تقف جامعاتنا من ترجمة هذا التوجه إلى أرقام ومنتجات وشركات وفرص عمل؟

نريد جامعات لا تعدّ البراءات فقط، بل تعدّ ما غيّرته هذه البراءات في حياة الناس وفي اقتصاد الوطن.

فالجامعة لا تُقاس بما تعلّقه من براءات على الجدران، بل بما تضعه من منتجات في المصنع والمستشفى والسوق.