هل سَيحلّ الذكاء الاصطناعي مكان الصحفيين وموظفي العلاقات العامة؟

هل سَيحلّ الذكاء الاصطناعي مكان الصحفيين وموظفي العلاقات العامة؟

مدرس في كلية الآداب والفنون – قسم متطلبات الجامعة، ومدير دائرة العلاقات العامة والتسويق
يَشهد العالم اليوم ثورة تقنية مُتسارعة يقودها الذكاء الاصطناعي، الذي لم يَعد مجرد أداة مساندة في المجالات التقنية، بل أصبح حاضرًا بقوة في مختلف القطاعات والمهن، ومن بينها الصحافة والإعلام والعلاقات العامة. ومع هذا الحضور المتنامي، يَبرز سؤال مهم يفرض نفسه على العاملين في هذه المجالات: هل سَيحلّ الذكاء الاصطناعي مكان الصحفيين وموظفي العلاقات العامة؟
لا شك أن الذكاء الاصطناعي أحدث تحولًا كبيرًا في بيئة العمل الإعلامي؛ فهو قادر على جمع المعلومات وتحليل كميات هائلة من البيانات، واقتراح العناوين، وصياغة الأخبار الأولية، وإعداد الملخصات، وترجمة النصوص، ورصد اتجاهات الجمهور، بل والمساعدة في إنتاج المحتوى بسرعة غير مسبوقة. كما أصبح أداة مهمة في العلاقات العامة والتسويق لتحليل اهتمامات الجمهور، وقياس التفاعل، وإدارة بعض الاستجابات الروتينية، والمساهمة في بناء حملات اتصالية أكثر دقة.
لكن، ورَغم هذه القدرات المتقدمة، فإن الاعتقاد بأن الذكاء الاصطناعي سيُلغي دور الصحفي أو موظف العلاقات العامة بشكل كامل يبدو بعيدًا عن الواقع. فالصحافة ليست مُجرد كتابة كلمات أو إعادة ترتيب معلومات، والعلاقات العامة ليست مجرد نَشر محتوى وإصدار بيانات؛ بل هما مهنتان تقومان في جوهرهما على الإنسان، وعلى القدرة على الفَهم والتقدير وبناء العلاقات واتخاذ القرار في المواقف المختلفة.
فالصحفي المحترف يَمتلك حسًا خبريًا يمكّنه من التمييز بين ما هو مُهم وما هو هامشي، ويَستطيع قراءة الأحداث في سياقاتها السياسية والاجتماعية والإنسانية، وطرح الأسئلة التي قد لا تخطر في البيانات الجاهزة، والتحقق من المصادر، وتحمل المسؤولية المهنية والأخلاقية عن المادة التي يقدمها للجمهور. كما أن الوصول إلى الحقيقة، وبناء الثقة مع المصادر، وفَهم مشاعر الناس وتجاربهم، كلها جوانب يَصعب اختزالها في خوارزمية.
ويَنطبق الأمر ذاته على موظف العلاقات العامة، الذي لا يقتصر دوره على كتابة خبر أو إدارة حسابات التواصل الاجتماعي، بل يتجاوز ذلك إلى بناء السمعة المؤسسية، وإدارة العلاقات، وفهم الجمهور، والتعامل مع المواقف الحساسة والأزمات، واختيار الرسالة المناسبة في الوقت المناسب. ففي أوقات الأزمات على سبيل المثال، لا تحتاج المؤسسة فقط إلى نص سريع، بل إلى شخص يمتلك الحكمة والخبرة والقدرة على تَقدير الموقف وفهم انعكاساته الإنسانية والمؤسسية.
إن الخطر الحقيقي لا يكمن في أن يحل الذكاء الاصطناعي مكان الإنسان، بل في أن يحل الإنسان الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي بكفاءة مكان الإنسان الذي يرفض تطوير مهاراته. وهذه هي الحقيقة التي يَنبغي أن يدركها الصحفيون والعاملون في العلاقات العامة اليوم؛ فالمستقبل لن يكون بالضرورة لمن يَعمل بالطريقة التقليدية، وإنما لمن يجمع بين المهارات الإنسانية والقدرة على توظيف الأدوات الرقمية الحديثة.
ومن هنا، فإن المرحلة المُقبلة تتطلب تطويرًا مستمرًا لمهارات العاملين في الإعلام والعلاقات العامة، لا سيما في مجالات التفكير النقدي، والتحقق من المعلومات، وتحليل البيانات، وإدارة السمعة، وصناعة المحتوى، والتعامل المهني مع أدوات الذكاء الاصطناعي. فهذه الأدوات يُمكن أن توفر الوقت والجهد، لكنها تحتاج إلى عقل مهني يوجّهها، ويراجع مخرجاتها، ويتحقق من دقتها، ويضمن انسجامها مع القيم المهنية والأخلاقية.
كما أن الاعتماد الكامل على الذكاء الاصطناعي يَحمل تحديات لا يمكن تجاهلها، مثل احتمالية إنتاج معلومات غير دقيقة، أو تكرار الأخطاء، أو غياب الفهم الحقيقي للسياق المحلي والثقافي، إضافة إلى القضايا المرتبطة بالمصداقية والخصوصية وحقوق الملكية الفكرية. ولذلك، فإن وجود الإنسان في دائرة المراجعة والتحرير واتخاذ القرار سَيبقى عنصرًا أساسيًا لا غنى عنه.
وفي المؤسسات التعليمية والجامعات على وجه الخصوص، تَبرز أهمية إعداد جيل جديد من الإعلاميين والعاملين في العلاقات العامة القادرين على التعامل مع هذه التحولات. فالمطلوب اليوم ليس تخريج صحفي أو موظف علاقات عامة يَخشى التكنولوجيا، ولا متخصص يَعتمد عليها دون وعي، بل إعداد مهني يمتلك المعرفة والمهارة والوعي، ويَستطيع أن يَجعل من الذكاء الاصطناعي شريكًا في الإنجاز لا بديلًا عن العقل الإنساني.
إن الذكاء الاصطناعي سيغيّر بلا شك شكل الصحافة والعلاقات العامة، وسَيُعيد رَسم الكثير من المهام وأساليب العمل، لكنه لن يستطيع أن يَحل محل القيم الإنسانية التي تقوم عليها هذه المهن؛ مثل الإبداع، والحس المهني، والذكاء العاطفي، والمسؤولية الأخلاقية، والقدرة على بناء الثقة والعلاقات.
لذلك، فإن السؤال الأهم ليس: هل سيحل الذكاء الاصطناعي مكان الصحفيين وموظفي العلاقات العامة؟ بل: هل نحن مُستعدون لتطوير أنفسنا والعمل معه بذكاء، حتى نَبقى قادرين على قيادة مستقبل هذه المهن؟ ففي عالم يتسارع فيه التطور، سَيبقى الإنسان هو صاحب الرؤية، وصاحب القرار، وصاحب المسؤولية، بَينما يبقى الذكاء الاصطناعي أداة قوية تَزداد قيمتها كُلما أحسن الإنسان استخدامها.
والمستقبل، على الأرجح، لن يكون للذكاء الاصطناعي وحده، ولا للإنسان الذي يعمل بمعزل عنه، بل للإنسان الذكي القادر على توظيف الذكاء الاصطناعي لخدمة الحقيقة، وتَعزيز الإبداع، وبناء تواصل أكثر تأثيرًا وإنسانية.