القُبلة الأولى

القُبلة الأولى

يسمي الفلاحون أول لقاء بين السماء والأرض «شتوة المساطيح» ومفردها مسطاح. كانوا إذا ما جادت السماء بباكورة نعمها، هبوا إلى الزبيب والقطين المنشور على أسطح البيوت وفي الحواكير، يجمعونه على عجل، خشية أن يفسده المطر.لكننا اليوم سنسمي أحب الأشياء إلينا بأسمائها الأولى. الغيوم الماخرة عباب هذه السماء الدائخة بالغبار والأكياس البلاستيكية ليست غيوما وحسب، إنها رقصة نشوة، ولمة عرس على بوابة المساء. والمطر الأول قبلة بكر بين أرض عطشى وسماء ظلت تتلوى شوقا منذ حنين. هو عناق الغائبين.

لربما لم يفتكم أن تتنفسوا هواء متواشجا من غبار وماء عقب اللقاء الأول السريع. تلك رائحة شيء قديم ينهض فينا. فمن منا لا تدوخه تلك البهجة العارمة حين تتجلل الدنيا برائحة المطر الأول؟ كنا، ونحن صغار، نتمنى لو تبزغ لنا أجنحة من النشوة، فنطير إلى السماء، ونعصر قطنها الملبود، ونمص ماءها المكنوز.

نتوق لهذا المطر المباغت ونهيم جنونا برائحة التراب العابقة في الأرجاء والشرفات، وحمى الكروم، وطلة البساتين. نتوق لفوح الطيون الممطور، وللغيم الرشيق في خاصرة السماء ونشتاق إلى صحو على ضربات أصابعه المدغدغة لشبابيك البيوت، وإلى رعد يهز السكون وكأن في السماء قلبا هائجا يريد أن يقول شيئا.

أحتاج هذا المطر عند بوابات أيلول. أحتاجه ليسري في عروقي المتكلسة بالخمول والمتاعب والروتين. أحتاجه ليطري ما تيبس من أحلامي المركومة. ليست أشجار الزيتون وحدها تحتاجك، أيها المطر السخي، لتغسل عن خضارها النضير غبار الطريق.

أحتاجك أيها الصديق لأعود طفلا شغوفا بالماء مثل حوت صغير، لا يريد أن يجنح لشواطئ الجفاف. أحتاج خيوطك كي أنسج كنزة لحبيبتي، وأتوق لو أصهل ملء مداي، وأتحمحم كحصان رامح إذا ما هز الحنين.

أحتاجك لأن في القلب أشياء لا يغسلها غير المطر. فحين تهطل يخرج الطفل القديم من مخبئه، وتنهض رائحة البيوت الأولى، وتلمع شرفات بعيدة، وتعود وجوه ظننا أن الزمن أخذها معه. وحين تضرب أولى القطرات زجاج النافذة، نشعر، لوهلة، أن العمر لم يمض كله، وأن في هذه الحياة فسحة صغيرة يمكن أن نعود فيها إلى حيث كنا نحب الأشياء بلا حساب.

فأهلا بك، أيها المطر العاشق، وأهلا بهذا الحنين الذي لا نعرف كيف جاء ولا إلى أين يأخذنا. أهلا بمطر الحنين، الموشى بطعم القبلة الأولى.