الجامعات الأردنية بين الرؤية الملكية واختيار القيادات الأكاديمية

الجامعات الأردنية بين الرؤية الملكية واختيار القيادات الأكاديمية

لم تعد الجامعة في عالم اليوم مجرد مؤسسة للتدريس ومنح الشهادات، بل أصبحت إحدى أهم أدوات بناء الدولة الحديثة، ومختبرًا لصناعة المعرفة، وتأهيل الشباب، وإنتاج الحلول، وقيادة التنمية. ومن هنا فإن اختيار القيادات والمواقع الإدارية في الجامعات الأردنية لا ينبغي أن يُنظر إليه باعتباره إجراءً إداريًا عابرًا، وإنما بوصفه قرارًا مؤسسيًا له أثر مباشر في مسيرة الجامعة وقدرتها على تنفيذ رسالتها الوطنية.

لقد وضعت الرؤية الملكية للتحديث والتطوير، وما يرتبط بها من مسارات وطنية، التعليم والشباب والابتكار والاقتصاد المعرفي في موقع متقدم من أولويات الدولة. خلال لقاءنا مع ولي العهد حفظة الله في عمان عام ٢٠٢٥، اكد سموه على دعم الشباب وتمكينهم وفتح آفاق جديدة أمامهم تؤكد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مؤسسات تعليمية أكثر قدرة على المبادرة، وأكثر انفتاحًا على المستقبل، وأسرع استجابة للتحولات العلمية والتكنولوجية.

ومن هنا تبرز أهمية أن يكون اختيار شاغلي المراكز القيادية والإدارية في الجامعات قائمًا على الكفاءة والإنجاز والخبرة والقدرة على التطوير، إلى جانب النزاهة والقدرة على العمل بروح الفريق، وليس فقط على الأقدمية أو الترتيبات الإدارية التقليدية.

فالجامعة التي نريدها للمستقبل تحتاج إلى قيادات تمتلك رؤية واضحة، وتستطيع تحويل الخطط الاستراتيجية إلى برامج ومشروعات قابلة للتنفيذ، وتؤمن بأن الطالب هو محور العملية التعليمية، وأن عضو هيئة التدريس شريك أساسي في التطوير، وأن الانفتاح على المجتمع وسوق العمل والمؤسسات الوطنية أصبح ضرورة لا خيارًا.

كما أن الجامعات الأردنية تضم طاقات أكاديمية وإدارية كبيرة، من أساتذة وأعضاء هيئة تدريس حققوا إنجازات علمية، وشاركوا في لجان وطنية ودولية، وأسهموا في تطوير برامج أكاديمية، وبناء شراكات دولية، وخدمة مجتمعاتهم المحلية. ومن الإنصاف أن تكون هذه الخبرات جزءًا أساسيًا من عملية اختيار القيادات الجامعية.

إن الحديث عن الشخص المناسب في المكان المناسب ليس شعارًا إداريًا، بل هو أحد شروط نجاح المؤسسات. فالموقع الإداري في الجامعة مسؤولية قبل أن يكون منصبًا، وتكليف قبل أن يكون امتيازًا، وأمانة تتطلب من شاغله أن يضع مصلحة الجامعة والطلبة والوطن فوق أي اعتبار آخر.

ولذلك، فإن تطوير آليات اختيار القيادات الجامعية يمكن أن يشكل خطوة مهمة في مسيرة تحديث التعليم العالي. ويمكن أن تقوم هذه الآليات على معايير واضحة وشفافة، تشمل السجل الأكاديمي، والخبرة الإدارية، والإنجاز المؤسسي، والقدرة على إدارة التغيير، والبحث العلمي، وخدمة المجتمع، فضلًا عن القدرة على العمل ضمن رؤية وطنية شاملة.

ولا يعني ذلك إلغاء الاعتبارات الإدارية أو القانونية، وإنما يعني أن تكون هذه الاعتبارات جزءًا من منظومة متكاملة هدفها الوصول إلى أفضل الكفاءات الممكنة.

إن الأردن الذي يطمح إلى بناء اقتصاد قائم على المعرفة، وتمكين شبابه، وتعزيز قدرته التنافسية، يحتاج إلى جامعات تواكب هذه الطموحات. والجامعة القادرة على تحقيق ذلك هي الجامعة التي تختار قياداتها وفق معايير الكفاءة والإنجاز والرؤية، وتمنح الأكاديميين والإداريين القادرين على العطاء فرصة حقيقية للمشاركة في صناعة مستقبل مؤسساتهم.

وفي نهاية المطاف، فإن تحديث الجامعات يبدأ من الإنسان الذي يقودها. وكلما كان اختيار القيادات أكثر ارتباطًا بالكفاءة والرؤية والإنجاز، كانت الجامعة أكثر قدرة على ترجمة التوجيهات الوطنية إلى واقع ملموس.

إن الرؤية الملكية ليست مجرد عناوين كبيرة، وخطط التحديث ليست وثائق توضع على الرفوف؛ بل هي مسؤولية تتطلب أشخاصًا قادرين على تحويلها إلى ممارسة يومية داخل مؤسسات الدولة، وفي مقدمتها الجامعات.

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق اختيار أي قيادة جامعية ليس: من هو الأقرب إلى المنصب؟ وإنما: من يمتلك القدرة والخبرة والرؤية التي تمكّنه من خدمة الجامعة والوطن في هذه المرحلة؟

ذلك هو جوهر الإدارة الجامعية الحديثة، وهو الطريق الذي يمكن من خلاله أن تصبح جامعاتنا أكثر قدرة على صناعة المستقبل، لا الاكتفاء بتدريسه.