تشهد البيئة التشريعية والتنظيمية في السعودية تحولا جذريا، حيث تعمل كمحرك أساسي لإعادة صياغة المشهد الاستثماري في مكة المكرمة والمدينة المنورة، دافعة بالقطاع العقاري من أطره المحلية التقليدية نحو آفاق العالمية.
و أوضح خبراء أن هذا التحول الهيكلي مدفوع بحزمة قرارات تنظيمية غير مسبوقة أقرتها الحكومة، وقد أثمرت ولادة نموذج سوق عقارية مبتكر يعتمد على تنويع المنتجات الاستثمارية وجذب كبرى الشركات والمستثمرين الدوليين، وتتكامل هذه الإصلاحات التنظيمية مع طفرة في مشاريع البنية التحتية العملاقة المحيطة بالحرمين الشريفين لتجسيد مستهدفات «رؤية 2030» في رفع الطاقة الاستيعابية لضيوف الرحمن وتحويل المنطقة الغربية إلى وجهة جاذبة لرؤوس الأموال الأجنبية.
و كشفت تقارير عن سلسلة من القرارات الهيكلية والمشاريع الميدانية التي بدأت إعادة تشكيل ملامح القطاع الاستثماري.
قرارات وتشريعات جديدة
وذكرت مصادر مطلعة أنه في العام الماضي، شهد إصدار عدة قرارات وتشريعات، يأتي في مقدمتها موافقة مجلس الوزراء السعودي في يوليو الماضي على نظام محدث يسمح لغير السعوديين بتملك العقارات في المملكة، مع ضوابط محددة للتملك في المدينتين المقدستين، ودخل القرار حيز التنفيذ مطلع العام الحالي، إذ يتوقع المحللون أن يسهم بشكل مباشر في استقطاب الشركات الدولية وزيادة معدلات الطلب على الوحدات السكنية والفندقية وتوسيع قاعدة المستثمرين في القطاع.
وتابعت المصادر أنه امتدادا لهذه الإصلاحات، أعلنت هيئة السوق المالية في يناير السماح للأجانب بالاستثمار في الشركات السعودية المدرجة في السوق المالية التي تمتلك عقارات دائمة أو مؤقتة داخل حدود مكة المكرمة والمدينة المنورة، وتهدف هذه الخطوة إلى تعزيز تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية ورفع مستويات السيولة في المشاريع العقارية المرتبطة بمنظومة الحجاج والمعتمرين ودعم إنشاء الفنادق المتقدمة والمجمعات السكنية القريبة من المشاعر.
و بينت مصادر أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان أطلق في أكتوبر الماضي مشروع «بوابة الملك سلمان» في مكة المكرمة بوصفها وجهة متعددة الاستخدامات تمتد على مسطحات بناء تبلغ 12 مليون متر مربع بجوار المسجد الحرام، ويشمل المشروع نحو 50 ألف وحدة سكنية و16 ألف غرفة فندقية مع اتاحة التملك لجميع المسلمين حول العالم بما يتوافق مع نظام تملك غير السعوديين للعقار.
و أضافت المصادر أن مكة المكرمة تضم مشروع «وجهة مسار مكة» الممتد على مساحة 1.25 مليون متر مربع، ويستهدف استيعاب 158 ألف نسمة عبر 13 ألف وحدة سكنية موزعة على 82 برجا، بالإضافة إلى 24 ألف وحدة فندقية في 58 برجا و19 ألف شقة فندقية.
و لفتت المصادر إلى أنه في المدينة المنورة، يجري تطوير مشروع «رؤى المدينة» على مساحة تبلغ 1.35 مليون متر مربع ليضم نحو 80 ألف غرفة فندقية وتوفير ما يقرب من 500 وحدة سكنية، وحسب الرئيس التنفيذي لشركة «رؤى المدينة» القابضة المهندس أحمد بن وصل الجهني، فإن نسبة التقدم في إنجاز المشروع تجاوزت الـ65 في المائة.
مشاريع البنية التحتية تضاعف القيمة السوقية للأراضي
و أكدت مصادر عقارية أن هذه المشاريع الكبرى والأنظمة المعتمدة تتكامل مع شبكات البنية التحتية الكبرى التي أقرتها الدولة لرفع أعداد الحجاج والمعتمرين، وتتمثل في التوسعات التاريخية للحرم المكي الشريف وتحديث شبكات النقل والخدمات اللوجستية المحيطة بالحرمين الشريفين وتنظيم التطوير العمراني في المشاعر المقدسة؛ مما أدى إلى ارتفاع متصاعد في الطلب على قطاع الضيافة (الفنادق والشقق الفندقية) وزيادة القيمة السوقية للأراضي الاستراتيجية في المناطق القريبة من الحرم المكي.
و في سياق مواكبة هذه الطفرة، أبرمت شركة «الراجحي المالية» وشركة «ذاخر للتطوير» مذكرة تفاهم لتأسيس صندوق استثماري عقاري في مكة المكرمة باستثمارات تتجاوز ملياري ريال، ويستهدف الصندوق الذي يقع ضمن مشروع «ذاخر مكة» دعم قطاع الضيافة والسكن وتعزيز التجربة الاستثمارية في العاصمة المقدسة.
أرباح قياسية
و أظهرت النتائج المالية للشركات العقارية العاملة في المنطقتين والمدرجة في سوق الأسهم السعودية (تداول) نموا قياسيا في أرباحها السنوية لعام 2025، وسجلت شركة «جبل عمر للتطوير العقاري» قفزة استثنائية في أرباحها بلغت 11 ضعفا محققة أرباحا صافية فاقت 2.39 مليار ريال خلال عام 2025، مقارنة بنحو 200 مليون ريال في عام 2024، وواصلت الأداء الإيجابي في الربع الأول من عام 2026 بتحقيق 116.99 مليون ريال.
و بينت التقارير أن شركة «مكة للانشاء والتعمير» سجلت نموا في أرباحها بنسبة 15 في المائة لتصل إلى 474 مليون ريال مقارنة بـ411 مليون ريال في عام 2024، مع استمرار وتيرة النمو في الربع الأول من عام 2026 بنسبة 8 في المائة محققة 162.2 مليون ريال.
و لفتت التقارير إلى أن أرباح شركة «طيبة للاستثمار» نمت بنسبة 9.3 في المائة لتصل في عام 2025 إلى 364 مليون ريال مقابل أرباح بلغت 411 مليون ريال في 2024، كما حافظت على مسارها الإيجابي محققة أرباحا تجاوزت 124.8 مليون ريال خلال الربع الأول من عام 2026.
دخول المطورين الأجانب يشعل المنافسة
و قال الخبير والمقيم العقاري المهندس أحمد الفقيه، إن مكة المكرمة والمدينة المنورة تمثلان مهوى أفئدة ملياري مسلم حول العالم، مشيرا إلى أن هذه التشريعات تشكل قوة دفع تلبي تطلعات شريحة واسعة من المسلمين في التملك بأسواق المنطقة الغربية (التي تشمل أيضا جدة والطائف)، متوقعا أن يظهر الأثر العميق لهذه الأنظمة على السوق خلال الربعين الأول والثاني من عام 2027.
و أضاف الفقيه أن الأثر سيمتد ليشمل زيادة حجم الصفقات العقارية ونوعيتها مع تركيز أكبر على القطاع السكني مقارنة بالقطاعات الزراعية والصناعية، وتوقع تسارع عجلة التطوير العقاري عبر طرح منتجات مخصصة تراعي الثقافات المتعددة للجنسيات المستهدفة، لافتا إلى أن سوق المنطقة الغربية ستشهد دخولا مرتقبا للمطورين غير السعوديين الذين سينافسون المطور المحلي في جودة المنتجات العقارية، وبين أن المشرع الحكومي يركز على نقطتين جوهرتين هما «التوازن العقاري والاستدامة» مما يزيد من جاذبية السوق أمام رؤوس الأموال الدولية القادمة إليها ويحولها من العشوائية إلى التنظيم والربحية التصاعدية على مدى العقد المقبل.
خدمة منظومة ضيوف الرحمن
و أكد أيمن السلطان المهتم بمتابعة القطاع العقاري، أن النشاط العقاري في مكة المكرمة والمدينة المنورة يرتبط بطبيعته بمنظومة اقتصادية وعمرانية أوسع تعنى بخدمة ضيوف الرحمن، مشيرا إلى أن التطوير خلال السنوات الأخيرة اتسم بالشمولية عبر المسارين العمراني والتنظيمي معا.
و أشار إلى أن التحديثات التنظيمية المرتبطة بالسماح بتملك غير السعوديين وفق ضوابط محددة إلى جانب فتح المجال للاستثمار الأجنبي في الشركات السعودية المدرجة التي تمتلك أصولا عقارية داخل المدينتين تعكس توجها نحو توسيع قاعدة الاستثمار ضمن إطار تنظيمي واضح يحافظ على خصوصية هاتين المدينتين.
و لفت إلى أن المشاريع الكبرى للبنية التحتية المرتبطة بالحج والعمرة أسهمت في تعزيز الاهتمام بالمشاريع العقارية المرتبطة بقطاعات الضيافة والإسكان والخدمات المساندة للحرمين الشريفين، ومن واقع متابعة السوق يمكن ملاحظة أن هذا التلاقي بين التنظيم والتطوير العمراني يدعم توجه السوق نحو مشاريع أكثر تنظيما وارتباطا بالخدمات المرتبطة بالحج والعمرة خلال المرحلة المقبلة.
موسم الحج الحالي يترجم الطفرة التشريعية إلى واقع ميداني
و يرى مراقبون أن التطورات التنظيمية تلقي بظلالها المباشرة على موسم الحج الحالي الذي يشهد ذروة التدفقات البشرية والاستثمارية، إذ يمثل هذا الموسم الانعكاس العملي الأبرز لمرونة البنية التحتية عقب دخول القرارات التشريعية الأخيرة حيز التنفيذ، ولم تعد المجمعات السكنية والفندقية المحيطة بالحرمين الشريفين مجرد أصول عقارية ثابتة بل تحولت إلى ركيزة أساسية لمنظومة الضيافة المتكاملة التي تديرها صناديق استثمارية وشركات مدرجة تسعى لتلبية الطلب المتنامي في بيئة تنظيمية جاذبة ومستقرة.
و في المحصلة، فإن هذا الحراك التشغيلي المكثف المتزامن مع تدفق ضيوف الرحمن يبرهن على أن النموذج العقاري الجديد في مكة المكرمة والمدينة المنورة قد تجاوز مرحلة التخطيط النظري ليدخل مرحلة الحصاد الفعلي، إن التلاقي بين مرونة التشريعات الحكومية وضخامة الإنفاق الراسمالي على البنية التحتية يضع المنطقة الغربية على أعتاب عقد استثماري ذهبي يعيد رسم خريطة التطوير العقاري الدولي ويكرس مكانة الحرمين الشريفين بوصفها مركزا رئيسيا للتنمية المستدامة والنمو الاقتصادي الصاعد بما يواكب تطلعات «رؤية المملكة 2030».
وختاما، فان هذا التكامل بين المنجز التنظيمي والموسم الفعلي يبرهن على أن عقارات العاصمة المقدسة والمدينة المنورة قد دخلت بالفعل مرحلة الجاذبية الاستثمارية القصوى.
-
-
-
-
بوينغ ترفع إنتاج 737 ماكس إلى 47 طائرة شهريا2026-05-27 -
