العيد يعود .. والعمر ينقضي

العيد يعود .. والعمر ينقضي

منذ أن وجد الإنسان نفسه على هذه الأرض، وهو في مواجهة حتمية مع الزمن؛ هذا المارد غير المرئي الذي يطوي الأعمار طيّاً، ولكي لا يضيع في متاهة الوقت اللانهائي، أهداه الكون دليلاً، فالشمس تطلع وتغيب لتصنع ثنائية النور والظلمة، والقمر يولد هلالاً ثم يكتمل بدراً ليعود فيفرغ صانعاً الشهور، والأرض تدور في فلكها الواسع لتمنحنا الأعوام، وكل هذه حركات دائرية، تبدأ لتنتهي، وتنتهي لتبدأ، وفي خضم هذا التناغم الكوني، نقف أمام ومضة فكرية باهرة جادت بها قريحة قلمٍ فذ ذات يوم من خمسينيات أو ستينيات القرن الماضي، حين سكب درراً من الكلمات واصفاً هذا النظام البديع بأن الإنسان لم يكن غريباً عنه، بل حاكاه عندما صنع الأسبوع، ليكون هذا التكرار طمأنينة كونية مفادها أن في حكم الطبيعة لا يذهب ذاهب إلا ليعود، وأن الحياة ووعاءها الزمان تأتي وتذهب على هذا الميزان الدقيق.

لكن المفارقة الكبرى تكمن هنا؛ ففي حين أن حكم الزمان هو العود والتكرار، فإن إنسانيتنا محكومة بفترة زمنية محددة نعيشها لمرة واحدة، فالعمر ينقضي في خط مستقيم لا يلتفت إلى الوراء، وإذا ذهب منا يوم فإنه لا يعود أبداً، وفي وسط هذا الدوران المستمر، وتدافع المسؤوليات وثقل الأيام، يحتاج الإنسان في فترته القصيرة هذه إلى محطات توقف وواحاتٍ ينيخ بها ركابه ليستريح ويريح، وليغتسل من وعثاء الطريق وثقل السير، ومن هنا يبرز العيد كحاجة نفسية واجتماعية ملحة، وليس مجرد تاريخ عابر في التقويم، فهو ميعاد دوري ضُبطت عليه حركة المجتمع الإنساني، تماماً كالصلاة اليومية والجمعة الأسبوعية ومواعيد الصيام والقيام، كأنها نقاط ارتكاز يتوقف عندها قطار العمر السريع ليلتقط المسافر أنفاسه، ويغسل روحه من غبار التعب اليومي، ليعود بجسد ونفس جديدة للدورة القادمة، وفي عصرنا الحالي الذي تحولت فيه حياة الإنسان إلى ساقية لا تتوقف من الركض خلف الماديات مما أصاب الروح بجهد مزمن، يعنينا العيد كمقاطعة واعية لهذا الصحب، وهدنة روحية نلتفت فيها إلى ذواتنا لنستعيد إنسانيتنا لا لتكريس ماديّتنا.

إن القيمة الحقيقية التي نخرج بها من هذه المحطة الزمانية هي أن الإنسان لا يكتمل بمفرده، فالدعاء منفرداً في عتمة الليل يناجي الروح، لكنه في الجماعة يحيي أمة، والمال في الخزائن مجرد ورق وجوامد، لكنه في كف الجائع والمحروم يتحول إلى حياة وكساء وشفاء، ويتحول معها العطاء من مجرد واجب إلى لذة غامرة تطهر الضمير الإنساني وتمنحه السلام، فالبر قسطان؛ قسط لله بالعبادة وقسط للناس بالمعاملة والبذل، وبذل القادر ليس تكرماً ولا منّة، بل هو قسط تأمين اجتماعي يدفعه القوي زكاةً عن موهبة أو نعمة فطرية في العقل أو الجسد حُرم منها غيره، وفي هذا البذل تجتمع الأسرة حول رأسها وكاسبها في ميعاد يجتمع عليه الناس جملة، ليعبر الصغار بدلفهم إلى كنف رب البيت عن عميق حمايتهم، وتتجلى عظمة الأبوة والأمومة كأعظم حاصل إنتاج في الحياة ومرضاة للنفوس عند الممات.

ولما كانت الأعياد ذكراً للذي حضر، وجب أن تكون ذكراً ووفاءً للذي مضى، فالناس ما ساروا على حكم الطبع والفطرة الإنسانية النبيلة لا يضلون أبداً، ومن طبعنا أننا لا ننسى الراحلين الذين شاركونا رقعة الحياة يوماً ثم أزاحهم الدهر عنها كإزاحة أحجار الشطرنج بغتة, فنزور مقابرهم لتكون الذكرى على بلل من دمع لا يجفف القلوب بل يصل الماضي بالحاضر والمستقبل، لنقف جميعاً على عتبة من عتبات الزمان ننظر وراءنا بوفاء، وأمامنا بأمل مستبشر، سائلين الله تبارك وتعالى أن يوقينا على سلم الزمان العثرات، وأن يجعل عودتنا دائماً عودة للخير والبر والسلام، وكل عام والإنسانية أكثر براً ورحمة، وإليه المرجع وإليه المآب.