الصين وباكستان تعززان التعاون لتوسيع الممر الاقتصادي وتطوير ميناء غوادر

الصين وباكستان تعززان التعاون لتوسيع الممر الاقتصادي وتطوير ميناء غوادر

اتفقت الصين وباكستان على تعزيز التعاون الشامل بينهما وتسريع خطط تطوير الممر الاقتصادي المشترك، اضافة الى تطوير ميناء غوادر الواعد، في خطوة تعكس سعي بكين لتعزيز نفوذها الاقتصادي والجيوسياسي في جنوب آسيا، بينما تحاول إسلام آباد جذب استثمارات جديدة لدعم اقتصادها المتعثر وسط بيئة إقليمية مضطربة.

وجاء الإعلان في بيان مشترك صدر مع اختتام زيارة رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف إلى بكين، حيث عقد محادثات مع الرئيس الصيني شي جينبينغ ورئيس الوزراء لي تشيانغ.

واكد الجانبان التوصل إلى توافق واسع جديد بشأن تعزيز التعاون الاقتصادي والاستراتيجي وتطوير الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني، إلى جانب تحويل ميناء غوادر إلى مركز إقليمي للربط والتجارة.

وقال الجانبان إنهما يرحبان أيضا بمشاركة أطراف ثالثة في تطوير الممر الاقتصادي وفق النموذج المتفق عليه، في إشارة إلى رغبة بكين وإسلام آباد في جذب استثمارات إضافية للمشروع الذي يعد أحد أبرز مشاريع مبادرة الحزام والطريق الصينية.

ويعد الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني أحد أكبر المشاريع الخارجية التي أطلقتها الصين خلال العقد الماضي، اذ تتجاوز قيمة الاستثمارات المرتبطة به 60 مليار دولار، وتشمل مشاريع في الطاقة والطرق والسكك الحديدية والموانئ والبنية التحتية.

وتنظر بكين إلى المشروع باعتباره ممرا استراتيجيا يربط غرب الصين ببحر العرب عبر الأراضي الباكستانية، بما يمنحها منفذا مباشرا إلى المحيط الهندي، ويقلل اعتمادها على المسارات البحرية التقليدية المزدحمة والمكلفة، خصوصا عبر مضيق ملقا الذي يعد إحدى أهم نقاط الاختناق التجارية في العالم.

ميناء غوادر محور الاستراتيجية

اوضح البيان انه في قلب هذه الاستراتيجية يقف ميناء غوادر، الواقع جنوب غربي باكستان بالقرب من الخليج العربي، والذي تسعى الصين إلى تحويله مركزا تجاريا ولوجستيا رئيسيا يربط آسيا الوسطى والشرق الأوسط وأفريقيا.

وبين البيان ان الميناء يحظى بأهمية خاصة بالنسبة لبكين، لأنه يمنحها موقعا متقدما بالقرب من خطوط إمدادات الطاقة العالمية، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اضطرابات الملاحة والتوترات الجيوسياسية بالمنطقة، خصوصا مع استمرار التوترات وتداعياتها على أمن الطاقة والتجارة العالمية.

كما ترى باكستان في تطوير غوادر فرصة لتحفيز الاقتصاد المحلي وخلق وظائف وجذب الاستثمارات الأجنبية، خصوصا في إقليم بلوشستان الذي يعاني من ضعف التنمية والاضطرابات الأمنية المزمنة.

واضاف البيان ان الجانبان اتفقا خلال المحادثات على تعزيز ما وصفاه بالتنمية عالية الجودة للممر الاقتصادي، بما يشمل تطوير ميناء غوادر، وتحديث طريق كاراكورام السريع، وتحسين ممر خونجيراب الحدودي، وهو الشريان البري الرئيسي الذي يربط الصين بباكستان.

تحديات أمنية تواجه المشروع

لكن رغم الطموحات الكبيرة، واجه المشروع خلال السنوات الماضية تحديات كبيرة، في مقدمتها التوترات الأمنية والهجمات المسلحة التي استهدفت مهندسين وعمالا صينيين في باكستان، خصوصا في إقليم بلوشستان.

وتتهم جماعات انفصالية مسلحة الحكومة الباكستانية والصين باستغلال موارد الإقليم دون تحقيق مكاسب كافية للسكان المحليين، ما جعل حماية المصالح الصينية أولوية رئيسية بالنسبة لإسلام آباد.

ولهذا، تعهدت باكستان خلال القمة باتخاذ خطوات محددة لتعزيز الأمن والتعاون وضمان سلامة العمال الصينيين والمشاريع الاستثمارية، وهي نقطة تعد من أبرز مصادر القلق بالنسبة لبكين.

كما تعكس هذه التطورات إدراك الصين أن نجاح مشاريع الحزام والطريق لم يعد مرتبطا فقط بالتمويل والبنية التحتية، بل أيضا بقدرة الدول المضيفة على توفير بيئة سياسية وأمنية مستقرة للاستثمارات طويلة الأجل.

أهمية جيوسياسية متزايدة

تأتي التحركات الصينية الباكستانية في توقيت إقليمي حساس، اذ تحاول إسلام آباد لعب دور دبلوماسي متزايد في ملفات المنطقة، خصوصا مع استمرار التوترات مع دول الجوار.

وأعربت الصين في البيان المشترك عن تقديرها لجهود باكستان في المساعدة على تخفيف حدة التوتر بين الولايات المتحدة ودول اخرى، ودعم المحادثات التي جرت في إسلام آباد بشأن وقف إطلاق النار المؤقت.

كما أكد الجانبان دعمهما لمبادرات السلام في المنطقة، مع إعلانهما الاستعداد لتقديم مساهمات إيجابية في هذا الاتجاه.

وفي ملف أفغانستان، رحبت باكستان بالجهود الصينية لتعزيز الحوار مع كابل، بينما شدد الطرفان على رفض استخدام الأراضي من قبل جماعات متشددة لتهديد الأمن الإقليمي.

ويكشف هذا البعد السياسي والأمني أن الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني لم يعد مجرد مشروع بنية تحتية أو استثمار اقتصادي، بل تحول إلى جزء من رؤية أوسع لإعادة تشكيل النفوذ الإقليمي في جنوب آسيا.

كما تسعى الصين من خلال تعميق شراكتها مع باكستان إلى تعزيز حضورها في المحيط الهندي وموازنة النفوذ المتزايد في المنطقة، خصوصا في ظل تصاعد التنافس الجيوسياسي العالمي.

اما بالنسبة لباكستان، فتأتي هذه التفاهمات في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطا اقتصادية حادة تشمل ارتفاع الدين الخارجي وضعف احتياطيات النقد الأجنبي وتباطؤ النمو، ما يجعل الاستثمارات الصينية شريانا حيويا للاقتصاد المحلي.

وتأمل حكومة شهباز شريف في أن يسهم تسريع مشاريع الطاقة والنقل والبنية التحتية في تخفيف أزمة الكهرباء وتحفيز النشاط الصناعي والتجاري، إلى جانب تحسين صورة البلاد أمام المستثمرين الدوليين.

لكن رغم الزخم السياسي الذي أحاط بالزيارة، لا تزال هناك تساؤلات حول قدرة المشروع على تحقيق كامل أهدافه الاقتصادية في ظل التحديات الأمنية والمالية والإقليمية الحالية.

كما أن بعض المحللين يرى أن الصين أصبحت أكثر حذرا في تمويل مشاريع الحزام والطريق، بعد تعثر عدد من المشاريع الخارجية وارتفاع المخاطر السياسية والاقتصادية في بعض الدول المشاركة.

ومع ذلك، تبدو بكين مصممة على الحفاظ على الممر الاقتصادي الصيني الباكستاني بوصفه أحد أهم مشاريعها الاستراتيجية الخارجية، ليس فقط لأسباب اقتصادية، بل أيضا لما يمثله من نفوذ سياسي وجيوسياسي متزايد في منطقة تعد من أكثر مناطق العالم حساسية بالنسبة للطاقة والتجارة والأمن الدولي.