في خضم الأزمات والحروب المتتالية، تواجه الشركات تحديا معقدا يتمثل في كيفية الموازنة بين زيادة الأسعار دون خسارة العملاء والحفاظ على هوامش الربح دون الظهور بمظهر المستغل للظروف الاقتصادية.
وتزداد هذه المعادلة صعوبة في ظل التضخم الذي يضعف القدرة الشرائية للأفراد، ويجعل المستهلكين أكثر حساسية تجاه الأسعار ومستعدين للبحث عن بدائل أرخص أو تأجيل شراء السلع غير الضرورية.
وفي المقابل، لا يمكن للشركات تجاهل ارتفاع تكاليف الإنتاج من وقود وشحن ومواد خام وأجور وتمويل، لأن ذلك يهدد أرباحها واستمراريتها.
تداعيات الحروب على تكاليف الانتاج
بين استاذ الاقتصاد والعلاقات الدولية كميل الساري أن الحروب ترفع تكاليف الإنتاج عبر سلاسل متعددة، بدءا بالطاقة ووصولا إلى الشحن والمواد الأولية.
واشار إلى أن الحرب الروسية على أوكرانيا كان لها تأثير كبير على أوروبا بسبب توقف جزء كبير من إمدادات الغاز والنفط الروسية، مما أدى إلى ارتفاع كبير في أسعار الطاقة، واضطرت دول مثل فرنسا إلى إنفاق مليارات الدولارات لدعم الشركات والمواطنين.
واضاف الساري أن الحرب والتوتر في منطقة الخليج يؤثران عبر اضطراب حركة العبور من مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لإمدادات النفط والغاز والمواد الأولية.
وبين أن الأثر لا يقتصر على المحروقات فقط، بل يمتد إلى الأسمدة واليوريا والنيتروجين والبلاستيك والألمنيوم وبعض مدخلات صناعة الرقائق الإلكترونية وأشباه الموصلات.
واكد أن الاقتصاد العالمي أصبح متشابكا، بحيث لا توجد سلعة لا تمر مكوناتها عبر أكثر من دولة قبل أن تصل إلى شكلها النهائي، لذلك فإن أي اضطراب في الطاقة أو النقل أو المواد الأولية يتحول بسرعة إلى تكلفة إضافية على المنتجين.
اما المحلل الاقتصادي محمد ممدوح النويلة، فلخص اثر الحروب على الشركات بالقول إن الدمار أو الاضطراب الذي يصيب خطوط النقل وسلاسل الإمداد هو أحد الأسباب المباشرة لارتفاع الكلفة، فالشركات لا تواجه فقط سعرا أعلى للمواد الخام، بل تواجه أيضا تأخيرا في التسليم وارتفاعا في التأمين وتكاليف بديلة للبحث عن موردين أو مسارات نقل جديدة.
المخاطر التسويقية لرفع الاسعار
على الرغم من أن رفع السعر يبدو الخيار الأسرع أمام الشركات، فإنه قد يكون الأكثر خطورة، فالمستهلك الذي تراجعت قدرته الشرائية لم يعد يتعامل مع السعر بوصفه رقما منفردا، بل يقارنه بدخله وببدائل السوق وبمستوى الجودة.
وقال الساري إن المستهلك يملك في النهاية "سلاح الطلب"، فإذا شعر أن الأسعار تجاوزت قدرته، قد يعزف عن شراء سلع معينة أو يتجه إلى منتجات أرخص.
وهنا تصبح زيادة السعر مخاطرة مزدوجة، لكونها قد تحسن هامش الربح في كل وحدة مبيعة، لكنها قد تخفض عدد تلك الوحدات، وإذا انخفضت المبيعات بدرجة كبيرة، فإن الربحية النهائية قد تتراجع بدلا من أن ترتفع.
واشار النويلة قائلا إن خطر فقدان العملاء مع رفع الأسعار ليس جديدا، بل هو موجود دائما، ففي كل مرة ترفع فيها الشركة السعر، تواجه احتمال هروب جزء من العملاء، خصوصا إذا لم يكن لديها ما يكفي من الثقة أو الجودة أو التميز الذي يبرر الزيادة.
رفع الشركة السعر ام القيمة؟
في هذا السياق، تصبح إستراتيجية التسعير المبني على القيمة أكثر أهمية من التسعير القائم فقط على الكلفة، فالشركة تستطيع حماية هامش الربح إذا أقنعت العميل بأن ما يحصل عليه يستحق السعر المدفوع، سواء عبر جودة أعلى أو خدمة أسرع أو ضمانات أقوى.
واوضح النويلة مشيرا إلى أن الشركات التي تنجح في الحفاظ على عملائها هي تلك التي تبني علاقة قائمة على الثقة، من خلال الجودة وخدمات ما بعد البيع.
وضرب أمثلة بشركات مثل آبل وكوستكو وآيكيا، التي تستطيع تمرير زيادات نسبية في الأسعار لأن عملاءها يشترون الثقة المتراكمة في العلامة.
واضاف النويلة أن الثقة لا تبنى في وقت الأزمة، بل قبلها، فالشركة التي اعتادت تقديم قيمة حقيقية تكون أكثر قدرة على مطالبة العميل بتقبل سعر أعلى.
استراتيجيات الترشيد الذكي
تلجأ الشركات إلى إستراتيجيات عدة لحماية الأرباح من دون تحميل العميل الكلفة كلها، وأولها إعادة التفاوض مع الموردين.
واضاف النويلة أن من تلك الإستراتيجيات أيضا إعادة هيكلة العمليات الداخلية، عبر تقليل الهدر وتحسين إدارة المخزون واستخدام التكنولوجيا والأتمتة في الأعمال المتكررة.
ويرى الساري أن بعض الشركات قد تلجأ إلى تقليل مكونات مرتفعة الكلفة داخل المنتج أو تغييرها بمكونات أرخص، مع الحفاظ على السعر أو رفعه قليلا، لكن هذا الخيار يحمل خطرا إذا اكتشف المستهلك أن الجودة تراجعت.
واشار النويلة إلى خيار آخر أقل ضررا، وهو إنتاج نسخ جديدة من المنتج بتغليف أو نكهات أو خصائص مختلفة وبيعها بسعر أعلى، مع الإبقاء على المنتج الأصلي بسعره السابق.
التوازن الممكن بين الربحية ورضا العملاء
اجاب الساري بأن تحقيق التوازن بين رضى العملاء واستدامة الربحية ممكن على المدى القصير، لكنه يصبح أكثر صعوبة على المدى المتوسط والطويل إذا استمرت تكاليف الإنتاج في الارتفاع بوتيرة تفوق نمو المداخيل.
واوضح أنه إذا ارتفعت الأسعار كثيرا يزيد التضخم وتضعف القدرة الشرائية للمستهلكين، وينتقل الغلاء من سلعة إلى أخرى، ومن شأن كل ذلك أن يتحول إلى حلقة تضخمية متكررة وركود في منتجات الشركات.
ويرى النويلة أن التوازن ممكن عندما تكون العلاقة بين الشركة والعميل مبنية على الثقة وليس على الربح المستمر، فنجاح الشركة هو نتيجة لعلاقة طويلة مع العملاء تقوم على الوضوح والجودة والالتزام.





