وافق مجلس الشيوخ الامريكي على تعيين كيفن وورش رئيسا لمجلس الاحتياطي الفدرالي، وذلك في ظل ظرف اقتصادي وسياسي بالغ الحساسية، حيث يتسارع التضخم وتتصاعد الضغوط من اجل خفض معدلات الفائدة.
وجاء التصويت بأغلبية 54 صوتا مقابل 45، وهو أضيق هامش تأييد لرئيس للاحتياطي الفدرالي على الإطلاق، وفقا لبلومبيرغ، ويعكس هذا الاستقطاب السياسي داخل الكونغرس ومخاوف الديمقراطيين من أن يستجيب وورش لضغوط البيت الابيض لخفض كلفة الاقتراض بسرعة.
وصوت ديمقراطي واحد فقط، هو السيناتور جون فيترمان عن ولاية بنسلفانيا، إلى جانب الأغلبية الجمهورية، وجاء هامش تأييد وورش أدنى من هامش تثبيت جانيت يلين عام 2014، عندما حصلت على 56 صوتا مقابل 26، بينما كان الدعم الحزبي المشترك لتعيينات الاحتياطي الفدرالي قاعدة معتادة في السابق، إذ حصل آلان غرينسبان على دعم بالإجماع عند تجديد ولايته عام 2000.
وينتظر وورش اداء اليمين لفترة تمتد 4 سنوات رئيسا للاحتياطي الفدرالي، بالتزامن مع فترة 14 عاما عضوا في مجلس المحافظين، بعدما وافق مجلس الشيوخ على تعيينه محافظا في البنك المركزي.
وسيتسلم وورش القيادة من جيروم باول، الذي تنتهي ولايته رئيسا للاحتياطي الفدرالي الجمعة المقبلة، لكنه سيبقى عضوا في مجلس المحافظين، في خطوة غير مألوفة قد تجعل داخل البنك المركزي مركزين بارزين للنفوذ النقدي.
ومن المتوقع أن يترأس وورش اجتماع الاحتياطي الفدرالي المقبل يومي 16 و17 يونيو، وسط انقسام متزايد داخل لجنة السوق المفتوحة بشأن الاتجاه المقبل لمعدلات الفائدة.
تضخم يلوح في الافق
واضافت المصادر ان تعيين وورش ياتي في وقت يواجه فيه الاحتياطي الفدرالي موجة تضخم جديدة، يغذيها ارتفاع اسعار الطاقة بعد الحرب واضطراب الامدادات عبر مضيق هرمز، إضافة إلى اثر الرسوم الجمركية التي فرضت.
وكشفت بيانات مكتب احصاءات العمل الامريكي ان مؤشر اسعار المستهلكين ارتفع 0.6% في ابريل على اساس شهري، بينما صعد 3.8% على اساس سنوي، مقارنة بـ3.3% في مارس.
كما ارتفع مؤشر التضخم الاساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة، 2.8% خلال 12 شهرا، وبينت البيانات ارتفاع اسعار البنزين والبقالة والايجارات وتذاكر الطيران بسرعة خلال ابريل، وفق بلومبيرغ.
واظهرت بيانات اخرى ان مؤشر اسعار المنتجين ارتفع 6% في ابريل على اساس سنوي، وهي الوتيرة الاسرع منذ ديسمبر 2022، عندما كان الاحتياطي الفدرالي يواجه اقوى موجة تضخم في 40 عاما عبر زيادات حادة في معدلات الفائدة.
وصعد مؤشر اسعار المنتجين الاساسي، الذي يستبعد الغذاء والطاقة، بنسبة 5.2%، بما يشير إلى ان صدمة كلفة الطاقة الناتجة عن الحرب بدات تمتد إلى سلع وخدمات اخرى.
ويتوقع محللون ان يرتفع مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي، وهو مقياس التضخم المفضل لدى الاحتياطي الفدرالي، إلى 3.8%، مبتعدا اكثر عن هدف البنك المركزي البالغ 2%.
صراع حول الفائدة
واكدت المصادر أن هذه الارقام تضع وورش امام معادلة صعبة، فترمب يضغط منذ اشهر باتجاه خفض معدلات الفائدة لدعم النمو والاسواق، في حين يرى عدد من مسؤولي الاحتياطي الفدرالي ان التضخم المتسارع قد يتطلب تشديدا اكبر، أو على الاقل التريث قبل اي خفض.
وتتراوح معدلات الفائدة الامريكية حاليا بين 3.5% و3.75%، وقد خفضت الاسواق توقعاتها لاي خفض خلال العام الجاري، بل بدات تسعر احتمالا لرفع الفائدة في بداية العام المقبل اذا استمرت ضغوط الاسعار.
وبينت بلومبيرغ ان عددا متزايدا من مسؤولي الاحتياطي الفدرالي يدعو إلى ان يعلن البنك صراحة ان خطوته المقبلة في معدلات الفائدة قد تكون خفضا او رفعا، وهو ما يعني ان وورش سيواجه مقاومة قوية اذا حاول دفع البنك نحو تخفيضات لا يراها المسؤولون مبررة بالبيانات الاقتصادية.
واشارت التوقعات إلى ان مسؤولي الاحتياطي الفدرالي في مارس كانوا يشيرون إلى خفض واحد لمعدلات الفائدة خلال العام الجاري، لكن هذه التوقعات تبدو الان اقل اتساقا مع استمرار التضخم وتماسك سوق العمل، إذ يدور معدل البطالة حول 4.3%، بما لا يمنح البنك المركزي مبررا واضحا لدعم الاقتصاد عبر خفض الفائدة.
وقال وورش خلال جلسة تثبيته في مجلس الشيوخ انه يرحب بما سماه "نقاشا عائليا" داخل الاحتياطي الفدرالي، في اشارة إلى الخلافات بين صناع السياسة النقدية بشأن القرار المناسب لمواجهة التضخم ودعم الاقتصاد.
هل يستقل البنك؟
واوضحت المصادر أن عودة وورش إلى الاحتياطي الفدرالي تثير اسئلة حول استقلال البنك المركزي، بعد سلسلة من المواجهات بين ترمب وباول، شملت انتقادات متكررة لعدم خفض معدلات الفائدة، ومحاولة اقالة المحافظة ليزا كوك، وتحقيقا لوزارة العدل في ملف تجديد مبنى الاحتياطي الفدرالي.
وذكرت بلومبيرغ ان انتقال القيادة إلى وورش يمثل احد اكثر التحولات اثارة للجدل داخل البنك المركزي الامريكي منذ عقود، واختبارا لاستقلاله السياسي، خصوصا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس خلال اقل من 6 اشهر، حيث ستكون الاغلبية الجمهورية لترمب على المحك.
وكان وورش تعهد خلال جلسة التثبيت بان تبقى السياسة النقدية للاحتياطي الفدرالي "مستقلة تماما" تحت قيادته، نافيا ان يكون ترمب طلب منه التعهد باي قرار محدد بشأن الفائدة.
وقال وورش: "لم يطلب مني الرئيس ولو مرة واحدة الالتزام باي قرار محدد بشأن معدلات الفائدة، ولن اوافق على ذلك اذا طلبه، ساكون فاعلا مستقلا اذا تم تثبيتي رئيسا للاحتياطي الفدرالي".
لكن تصريحات مقربين من البيت الابيض ابقت المخاوف قائمة، إذ قال رئيس المجلس الاقتصادي الوطني في البيت الابيض كيفن هاسيت ان الاسواق تشعر بالارتياح لان وورش "سيساعد على خفض معدلات الفائدة بمرور الوقت"، مع تاكيده ان القرار يجب ان يكون مدفوعا بالبيانات.
ظل باول يراقب
واشارت المصادر إلى أن تثبيت وورش اصبح اكثر سهولة بعد ان رفع السيناتور الجمهوري توم تيليس عرقلته لتعيينات الاحتياطي الفدرالي الشهر الماضي، عقب اعلان وزارة العدل انهاء تحقيق جنائي متعلق بتجاوزات كلفة اعمال تجديد مباني البنك المركزي.
وكان تيليس وباول وكثير من الديمقراطيين اشاروا إلى التحقيق الجنائي مع رئيس الاحتياطي الفدرالي الحالي باعتباره محاولة من ادارة ترمب للضغط عليه من اجل خفض معدلات الفائدة بسرعة اكبر.
ولا يزال الديمقراطيون غاضبين ايضا من جهود ترمب لاقالة عضوة مجلس محافظي الاحتياطي الفدرالي ليزا كوك، إذ يرون ذلك جزءا من حملة لترهيب البنك المركزي.
وقال باول في ابريل انه سيبقى عضوا في مجلس محافظي الاحتياطي الفدرالي بعد انتهاء ولايته رئيسا للبنك، لكنه سيحافظ على "حضور منخفض"، موضحا ان قراره، المخالف للسوابق الحديثة، جاء بسبب تهديدات التحقيقات الجنائية المستمرة التي قال انها تمس استقلال البنك المركزي.
ويقول باول ومسؤولون اخرون ان هذه الضغوط تهدد قدرة الاحتياطي الفدرالي على تحديد معدلات الفائدة وفق اساسيات الاقتصاد لا وفق الاعتبارات السياسية.
ميزانية الفدرالي تحت المجهر
واكدت المصادر أن وورش، البالغ من العمر 56 عاما، محام وممول عمل سابقا في مورغان ستانلي، وشغل منصب مساعد خاص للرئيس الامريكي للسياسة الاقتصادية وسكرتير المجلس الاقتصادي الوطني في البيت الابيض بين عامي 2002 و2006، قبل تعيينه عضوا في مجلس محافظي الاحتياطي الفدرالي.
وخدم وورش في مجلس المحافظين من فبراير 2006 حتى مارس 2011، خلال رئاسة بن برنانكي، وعايش الازمة المالية العالمية عام 2008، لكنه غادر المجلس عام 2011 قبل ان يدلي باي صوت مخالف رسمي داخل لجنة السياسة النقدية.
وسبق ان عمل وورش مستشارا لترمب في السياسة الاقتصادية، لكنه لم يحصل على منصب رئيس الاحتياطي الفدرالي عام 2017، حين اختار ترمب جيروم باول بدلا منه.
وتقول بلومبيرغ ان وورش اشار إلى انه سيسعى بمرور الوقت إلى تقليص ميزانية الاحتياطي الفدرالي البالغة 6.7 تريليونات دولار، كما قال خلال جلسة تثبيته ان خفض معدلات الفائدة اكثر انصافا من توسيع الميزانية العمومية، لان فوائده اوسع انتشارا.
وانتقد وورش اداء الاحتياطي الفدرالي في مكافحة التضخم خلال سنوات الرئيس السابق جو بايدن، قائلا ان البنك المركزي فقد تركيزه على مهمته الاساسية.
كما دعا إلى تقليص بعض ادوات التواصل التي يعتمدها الاحتياطي الفدرالي مع الاسواق، ومنها التوقعات الفصلية لمسار الفائدة، معتبرا انها قد تجعل من الصعب على صناع السياسة النقدية تغيير اتجاههم عند تغير البيانات.
ويبدا وورش ولايته في وقت تتصاعد فيه مخاطر التضخم والطاقة، وتزداد فيه حساسية الاسواق لاي اشارة من الاحتياطي الفدرالي بشأن خفض الفائدة او رفعها، بينما يراقب المستثمرون ما اذا كان الرئيس الجديد للبنك المركزي سيمنح الاولوية لضغوط البيت الابيض ام لبيانات الاسعار وسوق العمل.





