مع تصاعد التوترات الإقليمية واقتراب أزمة مضيق هرمز من يومها الستين، تظهر بوادر أزمة أخرى في البحر الأحمر، حيث سجلت حوادث اختطاف سفن قبالة السواحل الصومالية، وهي منطقة عرفت تاريخيا بمثل هذه العمليات قبل أن تهدأ وتيرتها في السنوات الأخيرة بفضل جهود دولية.
واضاف خبير في الشأن الصومالي والأفريقي، في تصريح صحفي، أن هذه التطورات تمثل اختبارا للممرات الملاحية، خاصة في البحر الأحمر، بهدف تقييم إمكانية عودة نشاط القراصنة على نطاق أوسع واستغلال الانشغال الدولي بأزمة مضيق هرمز.
عودة القرصنة تثير القلق
وكشفت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية (يو كاي إم تي أو) عن اختطاف ناقلة نفط قبالة سواحل الصومال، التي تحدها من الشمال خليج عدن ومن الشرق المحيط الهندي، وتقع هذه المنطقة عند مدخل مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن، وهو طريق تجاري حيوي يربط المحيط الهندي بقناة السويس.
وبينت الهيئة أن أهمية هذا المضيق ازدادت استراتيجيا بعد إغلاق مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره 20 في المائة من إنتاج النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم قبل اندلاع الحرب في الشرق الأوسط.
ووفقا لما نقلته الهيئة، فقد جرى الإبلاغ عن حادث على بعد نحو 90 كيلومترا شمال شرقي ماريو في شرق الصومال، موضحة أن أفرادا غير مصرح لهم سيطروا على الناقلة وقادوها لمسافة 77 ميلا بحريا جنوبا داخل المياه الإقليمية الصومالية، دون ذكر مزيد من التفاصيل.
واكدت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، في وقت سابق، اختطاف مسلح لسفينة صيد ترفع العلم الصومالي، مشيرة إلى أن هذه الأحداث مجتمعة تشير إلى وجود تهديد حقيقي بالقرصنة.
وفي الأشهر الأخيرة، أثارت عدة حوادث مخاوف من عودة القرصنة قبالة سواحل القرن الأفريقي، وفقا لتقارير إعلامية.
ويرى المحلل السياسي في الشأن الصومالي والأفريقي، عبد الولي جامع بري، أن هذا الحادث يأتي في سياق إقليمي أوسع مرتبط بالتوترات في البحر الأحمر ومضيق هرمز، مبينا أن اختطاف السفن ليس ظاهرة جديدة، لكنه الآن ينذر بتداعيات.
وأرجع بري أسباب تلك العودة إلى ضعف الرقابة البحرية، موضحا أنه على الرغم من تحسن الوضع الأمني في مقديشو، إلا أن السواحل الطويلة ما زالت صعبة السيطرة الكاملة، إضافة إلى الفراغ الأمني الدولي النسبي مع تراجع الوجود البحري الدولي مقارنة بذروة مكافحة القرصنة بين عامي 2010 و2015.
وبدوره قال الباحث الاقتصادي والاستشاري في الاقتصاد والنقل الدولي، زياد الهاشمي، إن القراصنة الصوماليين يستغلون انشغال العالم بمضيق هرمز ويبدأون باختطاف السفن من جديد بالقرب من منطقة البحر الأحمر.
واوضح الهاشمي أن هذا التطور يأتي وسط تصاعد ملحوظ في نشاط القرصنة في منطقة باب المندب، الذي كان يستهدف في الغالب السفن الأصغر حجما، لكن اختطاف ناقلة منتجات نفطية كبيرة يعد مؤشرا مقلقا، خاصة أن المنطقة تعاني أصلا من ضغوطات بحرية كبيرة بسبب مخاطر الحرب على إيران وإغلاق مضيق هرمز.
القرصنة.. تاريخ من الفوضى
يذكر أن أعمال القرصنة بلغت ذروتها في الصومال عام 2011، قبل أن تنخفض بشكل ملحوظ مع نشر سفن حربية دولية وإنشاء قوة شرطة بونتلاند البحرية.
وفي ذروتها عام 2011، وصلت حوادث القرصنة قبالة سواحل الصومال إلى مستوى قياسي بلغ 237، ما كلف الاقتصاد العالمي 7 مليارات دولار في ذلك العام، وتعرض خلالها أكثر من 3863 بحارا لإطلاق نار ببنادق هجومية وقذائف صاروخية.
ويعود ظهور القراصنة إلى تسعينات القرن الماضي، مع معاناة الصيادين المحليين من الصيد التجاري غير المنظم، وبدأ بوصفه احتجاجا مسلحا ضد سفن الصيد الأجنبية التي حرمتهم من مصدر رزقهم التقليدي.
وشدد عبد الولي جامع بري على أن أي حادثة جديدة لا تعد عودة كاملة للقرصنة، لكنها مؤشر قابل للتصاعد إذا توفرت الظروف، مؤكدا أن المخاوف ستتسع بعد حادث اختطاف الناقلة، لأن تكرار الحوادث الصغيرة قد يشير إلى اختبار الممرات البحرية وتحول الاهتمام الدولي مع تصاعد أزمة مضيق هرمز.
واختتم زياد الهاشمي حديثه مبينا أن عودة نشاط القرصنة البحرية في مضيق باب المندب يزيد من مستوى المخاطر المرتفعة ويضغط على شركات الشحن البحري لاستخدام المسار الأطول والأكثر تكلفة عبر رأس الرجاء الصالح، ما يعمق مشكلة ارتفاع الأسعار في مراكز الاستهلاك الغربية.





