لكرك ليست "ترند"حين يُساء للهيبة باسم الفن

لكرك ليست ترندحين يُساء للهيبة باسم الفن
باسم عارف الشوره 

حين يضلّ الفن طريقه، لا يكتفي بالتعثّر في ضعف الأدوات أو تواضع الفكرة، بل يصطدم مباشرة بجدار الذاكرة الجمعية، حيث لا تُقاس الأخطاء بمعايير الجماليات فقط، بل بميزان الهوية وكرامة المعنى. وما نشهده اليوم من جرّ التراث الأردني، بكل ما يحمله من وقار وخصوصية، إلى سوق "الترند" الاستهلاكي، ليس زلّة عابرة ولا اجتهاداً غير موفق، بل انزلاق واضح نحو تفريغ الهوية من مضمونها، وتحويلها من موقف متجذر في التاريخ إلى مادة خفيفة للاستهلاك السريع، تُضحك للحظة وتُسيء لزمن طويل.
المسألة هنا لا تتعلق بنص ضعيف أو إنتاج متواضع، فالفن بطبيعته تجربة تراكمية تخطئ وتصيب، لكن الخلل الحقيقي يكمن في تلك العقلية التي ترى في التراث مادة سهلة للاختزال، وفي اللهجة أداة لإثارة الضحك لا أكثر. حين تُختصر الكرك، بكل ما تمثله من ثقل تاريخي وإنساني، في مفردة عابرة تُلقى على سبيل التهريج، فإننا لا نكون أمام عمل فني فاشل فقط، بل أمام خلل في فهم قيمة المكان ومعناه. الكرك ليست صوتاً يُقلّد، ولا لهجة تُستدعى لخلق "إيفيه"، بل هي سردية متكاملة من الكرامة والصمود، مدينة كُتبت صفحاتها بأسماء رجال ومواقف لا يمكن اختزالها في جملة عابرة أو نغمة خفيفة.
"القضية ليست كلمة، بل عقلية إنتاج ترى في التراث مادةً للسطح، وفي اللهجة أداة استهلاك سريع. الكرك ليست كلمة عابرة في أغنية، بل هي ذاكرة من الكبرياء لا يجوز انتزاعها من سياقها لتكون مادة للتهريج."
الفن الحقيقي لا يقترب من هوية الناس ليستهلكها، بل ليرتقي بها ويعيد تقديمها بما يليق بعمقها. وحين يكون هذا الانزلاق صادراً عن فنان له حضوره وتجربته، فإن المسؤولية تصبح مضاعفة، لأن الوعي هنا مفترض لا مكتسب. من غنّى للوطن والجيش والشهيد، يُفترض أن يدرك أن المسافة بين التعبير الصادق والتسطيح المبتذل ليست مساحة رمادية، بل حدّ فاصل بين الاحترام والإساءة. الخطأ في حضرة التاريخ ليس كأي خطأ، لأنه لا يمس عملاً فنياً فحسب، بل يطال وجدان الناس وصورتهم عن أنفسهم.
في لحظة كهذه، يصبح من المشروع طرح السؤال بوضوح: هل ما يُقدّم فن فعلاً، أم مجرد محاولة لمجاراة موجة عابرة بأي ثمن؟ لأن العمل الذي يقوم على اختزال الهويات وتحويلها إلى مادة للضحك، لا ينتمي إلى الفن بقدر ما ينتمي إلى الإعلان السريع، ذاك الذي يُصنع ليُستهلك ثم يُنسى. وربما لو وُجّه هذا الجهد إلى إعلان لمنتج عابر، لكان الإخفاق أقل وطأة، أما حين يكون الموضوع مدينة بحجم الكرك، بتاريخها وهيبتها، فإن العبث هنا لا يُعد خفة دم، بل خفة مسؤولية.
الكرك ليست تفصيلاً عابراً في الذاكرة الأردنية، بل إحدى ركائزها الصلبة، عنواناً لمعنى لا يُختزل، ورمزاً لا يُختصر. ومن لا يملك القدرة على ملامسة هذا العمق بما يليق به، فالأجدر به أن يبتعد، لأن الاقتراب من التاريخ دون وعي، ليس جرأة فنية، بل مجازفة غير محسوبة بثمن المعنى.