من عيتا الشعب جنوبا الى الضاحية في بيروت تتوزع خسائر اللبنانيين جراء الحرب الاسرائيلية التي بدات في اكتوبر الماضي.
قال جهاد سرور وهو مواطن لبناني لـ«الشرق الاوسط» انه خسر معظم ما يملك نتيجة الحروب المتكررة التي طالت الجنوب وبيروت.
واوضح سرور انه كان يملك ثلاثة بيوت بيت في عيتا الشعب تهدم في الحرب الماضية وبيت في الحدث تهدم قبل نحو شهر في جولة الحرب الاخيرة اضافة الى شقة في حي السلم في ضاحية بيروت الجنوبية تضررت يوم الاربعاء الذي شهد قصفا كثيفا على بيروت والضاحية.
واضاف سرور انه لم يبق له اليوم فعليا سوى سقف بسيط وسيارة مبينا ان الخسارة لم تعد حدثا واحدا بل تمثل مسارا مستمرا يتجدد مع كل جولة قصف وتصعيد.
وبين سرور انه امضى 33 عاما في الولايات المتحدة وعاد الى لبنان قبل 15 عاما ويواجه اليوم ما لم يختبره في اي مكان اخر قائلا ان هذه التجربة قاسية وجديدة عليه ولم يختبر سابقا هذا المستوى من الدمار والحرب والتهجير ولا هذا الاحساس بفقدان الاستقرار بشكل كامل.
وسرور واحد من عشرات اللبنانيين الذين خسروا املاكهم في اكثر من مكان جراء الحرب وغالبا ما كان ابناء المنطقة الحدودية في الجنوب الذين يمتلكون منازل في بيروت او ضاحيتها الجنوبية يقيمون فيها في موسم الدراسة بما يمكن ابناءهم من تلقي التعليم الجامعي ويعملون في المدينة خلال هذه الفترة وينتقلون صيفا الى قراهم في الجنوب بغرض الاصطياف وبالنظر الى تزامن القصف في الجنوب والضاحية خسر بعضهم ارزاقهم في المكانين.
عائلات في منزل واحد
ودفع القصف السكان الى اختيار مكان امن في العاصمة او ضواحيها الشرقية او جبل لبنان.
وقال سرور انهم اليوم يقيمون في منزل تملكه زوجته في بيروت بعدما فقد منازله ومعهم ايضا اقارب من عائلات نازحة من الجنوب والضاحية مشيرا الى ان عدد سكان الشقة يناهز الـ35 شخصا يقيمون في المنزل نفسه وتتراوح اعمارهم بين سنة و75 عاما.
وبهذا المعنى لا يعود المنزل مساحة خاصة بل ملجا جماعي ومن خلال توصيفه ان العيش بهذا الشكل يختصر حجم الازمة حيث تتحول المنازل الى مراكز ايواء جماعية في ظل غياب اي افق واضح للحل او العودة.
وحين يسال عن المستقبل لا يجيب بتوقع بل بحالة بصراحة لا يمكن التخطيط لشيء ويعيشون يوما بيوم مضيفا ان الانسان يصبح وكانه في حالة تخدير ولا يفكر في المستقبل لان الواقع يفرض نفسه بكل ثقله.
خسارة تاريخ كامل
في عيترون الحدودية لا ينتهي الدمار مع انتهاء القصف وهناك يبدا فصل اخر من الحكاية.
وقال حسن لـ«الشرق الاوسط» ان ما تعيشه البلدة اليوم ليس حادثة عابرة بل حلقة جديدة في سلسلة طويلة من الاعتداءات لكن هذه المرة بوتيرة اشد واتساع اكبر.
واوضح حسن ان الاختلاف هذه المرة ليس في الشدة فقط بل في الطريقة مبينا ان التدمير لم يقتصر على الغارات خلال العمليات العسكرية بل استمر بعد وقف اطلاق النار عبر تجريف المنازل بشكل منهجي باستخدام جرافات.
واستعاد حسن حرب 2006 بالقول ان المنزل الذي كان يسكنه تعرض للقصف وتضرر بشكل كبير وانه يومها لم يخسروا حجارة فقط بل خسروا ما هو ابعد من ذلك مسكتا قليلا ثم اضاف انه فقد مكتبته بالكامل ومعها سنوات من الذكريات والاوراق والكتب التي لا يمكن تعويضها وان هذه الخسارة لا تقاس ماديا.
واكد حسن ان الخوف نفسه يعود اليوم ولكن بشكل اكثر حدة اذ يضيف انه لم يعد الامر مجرد قصف عابر بل احتمال فقدان المنزل بالكامل نتيجة التجريف ما يعني تكرار التجربة نفسها ولكن بشكل نهائي هذه المرة.
وبين حسن ان الخسارة لا تتوقف عنده شخصيا قائلا ان ثلاثة من اشقائه خسروا منازلهم بالكامل خلال حرب الاسناد مضيفا ان الخسارة لم تعد فردية بل باتت تطول العائلة باكملها.
وختم حسن قائلا ان ما يجري اليوم يبدو كانه اعادة رسم للبلدة بكل ما فيها وانهم لا يخسرون منازل فقط بل يخسرون تاريخا كاملا.
بيت دمر عام 1978 ولم يستكمل حتى اليوم
في بنت جبيل تاخذ الحكاية بعدا اخر بيت بدا تدميره قبل نحو نصف قرن ولم يخرج من دائرة التهديد حتى اليوم.
وقال نادر سعد لـ«الشرق الاوسط» ان قصة منزلهم ليست حادثة واحدة بل سلسلة حروب متتالية وكل واحدة منها تاخذ شيئا مما بقي.
واوضح نادر انه في عام 1977 قصف موقع شلعبون القريب من منزلهم وكان بيتهم بمنزلة امتداد له فيه مكتبة وكان المقاتلون ياتون اليه للراحة او للاستحمام.
وكشف نادر انه في عام 1978 دخلت القوات الاسرائيلية وطلبت من جدته الخروج ثم فجروا المنزل بالكامل مبينا ان هذه كانت المرة الاولى ولكن اللافت ان التدمير لم يكن النهاية بل بداية مسار اطول اذ يضيف انه في عام 1984 بدا والده اعادة البناء وسنة 1985 انجز الاساسات وبعض الاعمدة وكان يعيش في خيمة الى جانب ما بناه مضيفا انه في منتصف العام نفسه طلب منه مغادرة المنطقة فتركوا المنزل غير مكتمل.
وبين نادر ان البيت ظل كذلك سنوات طويلة اعمدة بلا غرف وجدران بلا حياة قائلا انه بقي على حاله حتى عام 2000 وحين عادوا بداوا مجددا البناء تدريجيا من دون قدرة فعلية على انهائه وحتى حين نجا من التدمير الكامل بقي هشا امام كل جولة قائلا انه في حرب 2006 تضرر المنزل بالشظايا وتحطمت سيارتهم لكنه لم يدمر كليا.
واضاف نادر انه في حرب 2024 قصف منزل قريب جدا وكان الانفجار قويا الى درجة انه خلع الابواب والنوافذ من بيتهم ثم تاتي اكثر مفارقة قسوة قائلا انهم اليوم ومن خلال صور الاقمار الاصطناعية يرون الدبابات متمركزة حول المنزل لكنهم لا يعرفون ان كان دمر بالكامل ام لا.
واختتم نادر بجملة تختصر نصف قرن قائلا ان هذا البيت الذي دمر اول مرة عام 1978 ولم يستكمل بناؤه حتى اليوم كل حرب تعيده الى نقطة الصفر وكان الزمن متوقف عند اول هدم.





