حقيقة ارقام الكهرباء والمزايدات

حقيقة ارقام الكهرباء والمزايدات

لا يزال بعض من يسمّون أنفسهم خبراء يحاولون، بين حين وآخر، بث سمومهم في الفضاء الإعلامي، من خلال معلومات مجتزأة، أو أرقام توضع خارج سياقها، أو ادعاءات لا تستند إلى معرفة حقيقية بطبيعة قطاع الكهرباء وتعقيداته. والمشكلة أن بعض وسائل الإعلام تجد في هذه الطروحات مادة مثالية للإثارة وزيادة المشاهدات، فيُمنح صاحبها منبراً واسعاً، حتى وإن كانت معلوماته مضللة أو غير دقيقة.

المؤسف أن الجهات الرسمية كثيراً ما تتعامل مع هذه الطروحات باعتبارها لا تستحق الرد، ربما انطلاقاً من أن الرد عليها يمنحها قيمة إضافية. لكن الصمت، في بعض الحالات، لا يؤدي إلا إلى ترك الشائعة تنتشر، خصوصاً عندما تتعلق بقطاع حيوي يمس كل مواطن، مثل قطاع الكهرباء.

ومن أكثر الموضوعات التي تتكرر فيها المبالغات، موضوع الفاقد الكهربائي والادعاء بأنه يجري تحميله على كلف الكهرباء أو توزيعه على أشهر معينة. وقد جرى توضيح هذه المسألة أكثر من مرة، كما أكد رئيس هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن أنه لا توجد عملية لتوزيع الفاقد بهذه الصورة.

وكما تم تأكيده مرارا فإن الفاقد الكهربائي ليس رقماً غامضاً أو بنداً يُختلق لتبرير كلف الكهرباء. هناك أولاً الفاقد الفني، وهو أمر حتمي في أي شبكة كهربائية، وينتج بصورة أساسية عن المقاومة الكهربائية وارتفاع حرارة الموصلات أثناء نقل وتوزيع الطاقة. فالحرارة التي تنتج عن مرور التيار الكهربائي في الأسلاك تمثل جزءاً من الطاقة المفقودة، وهذا أمر معروف في جميع الأنظمة الكهربائية العالمية. ويتراوح الفاقد الفني في شبكات التوزيع، بصورة عامة، في حدود 6 إلى 8 بالمئة، وهي مستويات ليست استثنائية.

أما النوع الثاني فهو الفاقد غير الفني، أو ما يمكن تسميته بالعبث والسرقات والتلاعب بالعدادات والتوصيلات، وقد يصل هذا النوع إلى نحو 4 بالمئة. وهنا تأتي أهمية العدادات والشبكات الذكية، التي ستتيح اكتشاف حالات التلاعب بصورة أسرع وأكثر دقة.

كما أن الفاقد غير الفني لا يعني أن الطاقة المسروقة تضيع إلى الأبد على شركات التوزيع؛ فعند اكتشاف حالات العبث، تتم مطالبة المتسبب بالفروقات المالية المترتبة على الطاقة غير المسجلة، إضافة إلى الغرامات والإجراءات القانونية المقررة. وبالتالي فإن جزءاً كبيراً من هذا الفاقد تتم استعادته.

وعندما تحدد هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن نسبة الفاقد المسموح بها لشركات التوزيع بنحو 10 بالمئة، فإن ذلك يأتي في إطار احتساب مجموع الفاقد الفني وغير الفني، وليس رقماً استثنائياً أو دليلاً على خلل في إدارة القطاع. بل إن مقارنة هذه المستويات مع دول المنطقة تظهر أن الأردن لا يقع في موقع متأخر، وإنما يحقق مستويات جيدة في هذا المجال.

أما القول إن الأردن هو «أغلى دولة في العالم في الكهرباء»، فهو ادعاء يحتاج إلى كثير من التروي قبل إطلاقه. فوفقاً لأحدث بيانات موقع GlobalPetrolPrices.com، بلغ متوسط سعر الكهرباء عالمياً في الربع الثاني من عام 2026 نحو 0.176 دولار لكل كيلوواط/ساعة للمستخدمين المنزليين، و0.164 دولار لكل كيلوواط/ساعة لقطاع الأعمال. وبلغ المتوسط في أوروبا للمستخدمين المنزليين 0.254 دولار، مقابل 0.088 دولار في آسيا، و0.140 دولار في أفريقيا، و0.261 دولار في أوقيانوسيا، و0.153 دولار في أمريكا الشمالية، و0.213 دولار في أمريكا الجنوبية.

والأهم أن بيانات الموقع نفسه تشير إلى أن سعر الكهرباء للمستخدم المنزلي في الأردن يبلغ نحو 0.090 دولار لكل كيلوواط/ساعة، وفق أحدث البيانات المنشورة، وهو ما لا ينسجم إطلاقاً مع وصف الأردن بأنه «أغلى دولة في العالم» من حيث أسعار الكهرباء.

أما مقارنة التعرفة في الأردن بدول الخليج، دون احتساب الدعم الحكومي الكبير وأسعار الوقود المدعومة، فليست مقارنة علمية. فالدول المنتجة للنفط والغاز تستطيع توفير الوقود لمحطات التوليد بأسعار تختلف جذرياً عن الدول المستوردة للطاقة.

أما المقارنة الصحيحة فتكون مع دول تتحمل كلفاً حقيقية لإنتاج ونقل وتوزيع الكهرباء، ومن دون دعم حكومي يطمس التكلفة الفعلية. وعندها تظهر الصورة مختلفة تماماً، إذ توجد دول عديدة في أوروبا ومناطق أخرى تسجل أسعاراً أعلى بكثير من المستويات الأردنية. وتؤكد بيانات GlobalPetrolPrices أن أسعار الكهرباء تختلف بصورة كبيرة بين الدول تبعاً لمستويات الاستهلاك والضرائب والرسوم وتكاليف النقل والتوزيع وغيرها من مكونات فاتورة الكهرباء.

المطلوب إذن ليس صناعة حالة من الهلع حول الكهرباء، ولا تحويل الأرقام إلى أدوات لإثارة الشارع، بل تقديم المعلومة كما هي، ووضعها في سياقها الصحيح. فالاختلاف والنقد حق مشروع، لكن تحويل المعلومة المجتزأة إلى حقيقة، وتكرارها عبر المنصات الإعلامية بحثاً عن الشهرة والمشاهدات، لا يخدم المواطن ولا قطاع الكهرباء.

لقد أصبح المواطن قادراً على الوصول إلى المعلومات ومقارنتها خلال دقائق. ولذلك فإن زمن «الخبير الذي يقول ولا يُسأل» يجب أن ينتهي. ما نحتاجه اليوم هو خبراء حقيقيون، وإعلام مسؤول، وجهات رسمية أكثر استعداداً لتقديم المعلومة والرد على المغالطات، حتى لا تتحول الثرثرة إلى قناعة، ولا يتحول الادعاء إلى حقيقة في أذهان الناس.

والله من وراء القصد