نهاية دورة نيابية .. وأحزاب تبحث عن دور

نهاية دورة نيابية .. وأحزاب تبحث عن دور
في السادس والعشرين من نيسان (أبريل) الحالي، تُسدل الستارة على الدورة العادية الثانية لمجلس النواب العشرين، المشهد يبدو هادئًا في ظاهره، لكنه يكشف في عمقه عن خلل واضح في معادلة التمثيل السياسي، عنوانه الأبرز: حضور حزبي محدود التأثير، رغم كل ما رافق المرحلة من حديث عن التحديث السياسي ودور الأحزاب في الحياة النيابية.


خلال هذه الدورة، لم يكن التحدي في أداء المجلس بقدر ما كان في قدرة الأحزاب على إثبات نفسها كفاعل حقيقي داخل القبة وخارجها، فالتجربة الحزبية التي كان يُعوّل عليها لإحداث نقلة نوعية في العمل البرلماني، لم ترتقِ لمستوى التوقعات، سواء على صعيد الخطاب أو التنظيم أو التأثير.

الكتل الحزبية داخل المجلس- باستثناء كتلة واحدة حافظت على قدر من الحضور والتنظيم- لم تنجح في فرض نفسها كقوى مؤثرة في مجريات النقاش أو صناعة القرار، الأداء جاء في معظمه أقرب إلى الفردية، حتى داخل الأطر الحزبية نفسها، ما أضعف فكرة العمل الجماعي التي يُفترض أن تشكل جوهر العمل الحزبي.

التراجع في الفاعلية لا يمكن فصله عن أزمة أعمق تعيشها الأحزاب الجديدة، تتمثل في غياب خطاب منتظم ومتماسك، قادر على مواكبة القضايا المحلية والتفاعل معها بشكل مستمر، فالمواقف بدت متقطعة، وردود الفعل في كثير من الأحيان جاءت متأخرة، أو غير واضحة، وهو ما أفقد الأحزاب قدرتها على التراكم وبناء ثقة حقيقية مع الشارع، كما أن ضعف الامتداد المحلي ظل أحد أبرز التحديات، فالأحزاب التي يُفترض أن تكون حاضرة في المحافظات والقطاعات المختلفة، لم تنجح بعد في بناء قواعد شعبية فاعلة، ما جعل حضورها يتركز في الإطار النخبوي أكثر منه في الواقع الميداني، وهذا ما انعكس مباشرة على أدائها داخل المجلس، حيث غابت الرؤية المرتبطة باحتياجات المجتمعات المحلية.

يعيد هذا الواقع طرح سؤال محوري حول الحاجة لنموذج حزبي أكثر نضجًا، يستفيد من تجربة الأحزاب التقليدية في بناء خطاب مستقر ومنتظم، دون أن يعني ذلك العودة إلى الوراء، بل تطوير التجربة بما يتلاءم مع متطلبات المرحلة، فالتعددية الحزبية لا تُقاس بعدد الأحزاب، بل بقدرتها على الفعل والتأثير.

وفي ظل التوجه نحو الدورة العادية الثالثة، تبدو هذه التحديات أكثر إلحاحًا، خاصة في ظل ملفات مرتقبة تتطلب حضورًا حزبيًا قويًا، في مقدمتها احتمالية إدخال تعديلات على قانون الانتخاب، إلى جانب مشروع قانون الإدارة المحلية الجديد، وما يحمله من أبعاد تمس التنمية والخدمات في المحافظات، كما أن عودة النقاش حول قانون الضمان الاجتماعي في الدورة المقبلة، سواء عبر تعديلات جديدة أو استمرار الجدل القائم، ستشكل اختبارًا إضافيًا للأحزاب، لقياس قدرتها على تقديم مواقف واضحة وبدائل عملية، تتجاوز الشعارات العامة.

كما أن أي تعديل وزاري محتمل خلال الفترة المقبلة، في إطار إعادة ترتيب الفريق الحكومي، سيضيف ديناميكية جديدة للمشهد، لكنه لن يكون بديلًا عن دور الأحزاب في تنظيم الحياة السياسية ورفدها بالأفكار والبرامج، وخلال الفترة التي تلي انتهاء الدورة سيعود للأفق النيابي حراك حول موقع الرئاسة، وما يُتداول حوله من سيناريوهات، يعكس حالة من التفاعل الداخلي، لكنه يبقى جزءًا من صورة أوسع، تتعلق بمدى نضج التجربة البرلمانية والحزبية معًا.

نهاية الدورة العادية الثانية تطرح سؤالًا: إن التحدي لم يعد في وجود الأحزاب بحد ذاته، بل في فاعليتها، فكتل حزبية غير قادرة على العمل الجماعي، وخطاب غير منتظم، وحضور محلي محدود، كلها عوامل تجعل من المرحلة المقبلة اختبارًا حقيقيًا، إما أن تعيد الأحزاب ترتيب أوراقها وتثبت حضورها، أو تبقى على الهامش، فيما تستمر الحياة السياسية بالبحث عن توازنها المفقود.