لم يكن قرار إعادة فتح أبواب المسجد الأقصى بعد أربعين يوماً من الإغلاق حدثاً عابراً ولا خطوة يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الإقليمي المتوتر الذي سبقها، فبين قرار الإغلاق وقرار الفتح تتكشف معادلة معقّدة تحكمها اعتبارات الأمن والسياسة والضغط الهاشمي والشعبي، أكثر مما تحكمها المبادرات الذاتية أو النوايا المعلنة.
جاء إغلاق المسجد الأقصى هذه المرة بطابع غير مسبوق من حيث مدته، وهو ما يعكس حجم التوتر الذي شهدته المنطقة، خاصة مع التصعيد المرتبط بإيران وما رافقه من إعلان حالة طوارئ داخلية في إسرائيل، في مثل هذه الظروف اتجه رأي سلطات الاحتلا - وهو رأي خاطئ - إلى تقليص نقاط الاحتكاك الحساسة؛ إذ يُعد الأقصى في مقدمة هذه النقاط نظراً لما يمثله من رمزية دينية ووطنية قادرة على إشعال الشارع بسرعة، وحتماً لم يكن القرار أمنياً صرفاً، بل جاء ضمن سياسة أوسع تهدف إلى منع تلاقي عوامل التفجير بين توتر إقليمي واحتمال تحرك ميداني في القدس والضفة وتحرك سياسي اردني بالمحافل الدولية، ما جعل الإغلاق - من وجهة نظر الاحتلال - إجراءً احترازياً لاحتواء أي تصعيد محتمل قبل وقوعه، لكنه جعل من اعادة الفتح أمراً لا بد منه تلافياً للمزيد من الغضب الشعبي من جهة والضغط الهاشمي الحاد من جهة أخرى.
إعادة فتح الأقصى جاءت نتيجة توازن جديد في المعادلة، فمن جهة، تشير المعطيات إلى تراجع نسبي في مستوى التهديد العسكري، ما خفف الحاجة إلى الإجراءات المشددة، ومن جهة أخرى الى تصاعد الضغط السياسي والديني، خاصة من الأردن بحكم الوصاية الهاشمية على المقدسات، إلى جانب مواقف دولية اعتبرت استمرار الإغلاق انتهاكاً لحرية العبادة، اضافة لبروز عامل لا يقل أهمية، وهو الخشية من النتائج العكسية للإغلاق الطويل، إذ إن استمرار منع الدخول لفترة ممتدة قد يؤدي إلى انفجار أكبر عند إعادة فتحه، وهو ما قد تسعى إسرائيل عادة إلى تجنبه عبر إدارة محسوبة لمستوى التوتر.
ورغم إعادة فتح الأبواب، إلا أن المؤشرات تدل أن القرار أقرب إلى كونه إجراءً مرحلياً قابلاً للتغيير، وليس تحولاً دائماً، فالأغلاق الأطول لم يجابه بإعتراض دولي شديد الا من الأردن فقط، ما يجعل اسرائيل تفكر أكثر من مرة بحالة تكرار الحالة، فسياسة إدارة الأقصى عند الاحتلال تقوم على مبدأ التكيّف مع الواقع الأمني، حيث يُفتح أو تُفرض عليه القيود تبعاً لتقدير الموقف على الأرض، بالتالي، فإن استمرار فتح المسجد يبقى مرهوناً باستقرار الوضع الأمني، وانخفاض مستوى التوتر الإقليمي، وبقاء الضغط الأردني في أعلى مستوياته، فيما يظل احتمال إعادة فرض القيود قائماً عند تغيّر هذه المعطيات.
في المحصلة، يظهر أن المسجد الأقصى لا يُدار بوصفه مكاناً للعبادة فقط، بل كنقطة حساسة في معادلة سياسية وأمنية شديدة التعقيد، حيث لا يكون القرار نابعاً من عامل واحد، بل من موازنة دقيقة بين كلفة الإغلاق وكلفة الفتح، بعبارة موجزة، لم يُفتح الأقصى لأن الظروف أصبحت مثالية، بل لأنه لم يعد ممكناً إبقاؤه مغلقاً دون كلف أعلى، خاصة وأن المساس بحرية الصلاة في الأقصى سيدهور العلاقة مع الأردن بالأكثر - كورقة حاسمة - فوق تدهورها الحالي بفعل المستجدات الإقليمية، وهذا الذي أعتقد بأن الاحتلال لا يتمناه ولا يريده حالياً.
-
-
-
-
-
قانون «الضمان»: التوافق ضرورة وطنية2026-04-13
