باسم عارف الشوره
أُشبِع المواطن وعودًا بأن الجاهزية "تامة” للتعامل مع المنخفضات الجوية، لكن أول اختبار حقيقي على أرض الواقع أسقط هذه الرواية بالكامل. ما شهدته المدن والألوية من شوارع غارقة، ومناهل مفتوحة، وتعطّل لحياة الناس، ليس حالة طارئة ولا ظرفًا استثنائيًا، بل نتيجة مباشرة لإخفاق إداري متكرر في ملف معروف المواعيد، واضح المخاطر، ولا يحتمل الاجتهاد.
الخلل لم يكن في كمية الأمطار، بل في غياب الوقاية، وضعف الصيانة، وسوء التخطيط، وتأخر الاستجابة. هذه وقائع ميدانية لا تحتاج إلى تأويل، وثّقتها الصور، وأكدتها شكاوى المواطنين، وعايشتها الأحياء التي تُركت تواجه المياه وحدها، فيما كانت "الجاهزية” حاضرة فقط في البيانات.
حين تتكرر الأخطاء ذاتها عامًا بعد عام، فإننا لا نتحدث عن حادثة عابرة، بل عن إخفاق مؤسسي. فالإدارة العامة لا تُقاس بحسن النوايا ولا بطمأنة الإعلام، بل بقدرتها على الاستعداد المسبق، وتفعيل خطط الطوارئ، وتنفيذ الصيانة الدورية قبل أن تتحول الأمطار إلى أزمة.
وفق أبسط قواعد المسؤولية الإدارية، فإن التقصير في أداء الواجبات الأساسيةوخاصة تلك المرتبطة بسلامة المواطنين لا يُعالج بالاعتذار، بل بالمحاسبة. وهنا تنتقل القضية من مربع التبرير إلى مربع المساءلة القانونية: من قصّر؟ لماذا لم تُنجز الصيانة؟ أين فُعّلت خطط الطوارئ؟ ومن راقب ومن تابع؟
المواطن لا يطلب معجزات، بل إدارة تحترم عقله ووقته وسلامته. يريد أن يرى الجاهزية في الشارع قبل أن يقرأها في التصريحات، وأن يلمس أثرها في سرعة الاستجابة لا في بطء البيانات. أما استمرار تسويق "الجاهزية” بينما الواقع يكذبها، فهو استنزاف لثقة الناس، وإضعاف لهيبة الإدارة.
الدولة لا تُدار بالشعارات، ولا تُحمى صورتها بتدوير الفشل. إن ربط الجاهزية بمؤشرات أداء واضحة، ومحاسبة المقصّرين دون تردد، هو الطريق الوحيد لاستعادة الثقة ومنع تكرار المشهد ذاته كل شتاء.
فالشتاء قادم لا محالة، لكن السؤال الذي لم يعد يحتمل التأجيل:
هل ستبقى الجاهزية حبرًا على ورق… أم يبدأ تصحيح حقيقي يُنهي الإخفاق في الميدان؟





