باسم عارف الشوره
في بلدٍ يُعد زيت الزيتون فيه جزءًا من الهوية قبل أن يكون محصولًا زراعيًا، يبدو مشهد الطوابير للحصول على زيت مستورد أكثر من مجرد أزمة تموينية؛ إنه مفارقة موجعة تكشف خللًا عميقًا في إدارة ملف الزراعة والأمن الغذائي. فكيف لوطنٍه يفاخر بملايين أشجار الزيتون، ومواسم قطاف تتحول إلى احتفال وطني، أن يجد مواطنوه أنفسهم يبحثون عن عبوة زيت في طابور؟
الأردن من الدول المعروفة بإنتاج زيت الزيتون عالي الجودة، وتنتشر أشجار الزيتون على مساحات واسعة من أراضيه، ويعتمد آلاف المزارعين على هذا القطاع كمصدر دخل رئيسي. ومع ذلك، يتكرر المشهد ذاته: إنتاج محلي يواجه صعوبات في التسويق والتخزين والتصنيع، يقابله اعتماد متزايد على الزيوت المستوردة لسد حاجة السوق. النتيجة؟ المزارع يشتكي من كساد أو ضعف عائد، والمواطن يقف في الطابور.
هذه ليست أزمة سوق عابرة، بل أزمة إدارة وتخطيط.
حين لا تُبنى سياسة زراعية تربط بين إنتاج الزيتون والصناعات الغذائية والتخزين الاستراتيجي والتسويق الداخلي، يصبح القطاع كله موسميًا هشًا: فائض في وقت القطاف، ونقص في السوق عند أول اضطراب في الاستيراد. وهنا يتحول زيت الزيتون رمز الاكتفاء الممكن — إلى شاهدٍ صامت على فجوة بين الإمكانات والقرارات.
المسؤولية هنا تقع مباشرة على الحكومة ووزارة الزراعة. فالمطلوب لم يكن يومًا الاكتفاء بزراعة الأشجار، بل إدارة سلسلة القيمة كاملة: دعم المزارع، تنظيم الإنتاج، تشجيع التصنيع، بناء مخزون وطني من الزيوت، ووضع سياسات تقلل اعتماد السوق على الخارج في السلع الأساسية. أما ترك السوق يتأرجح بين موسم وفرة وأزمة استيراد، فذلك يعني أن التخطيط ما زال يسير خلف الأحداث بدل أن يسبقها.
إن الطوابير أمام الزيت المستورد لا تُحرج السوق فقط، بل تُحرج خطابًا رسميًا طويلًا عن الأمن الغذائي. فالأمن الغذائي يبدأ من استثمار ما نملك، وفي مقدمة ذلك شجرة الزيتون التي تغطي جبال الوطن وسهوله. وإذا لم تُترجم هذه الثروة إلى استقرار فعلي في السوق، فإن المشكلة ليست في الأرض ولا في الشجرة، بل في السياسات التي لم تحسن تحويلهما إلى قوة اقتصادية وغذائية.
المواطن اليوم لا يريد سماع أرقام الإنتاج السنوي ولا بيانات التطمين، بل يريد نتيجة بسيطة: أن يجد غذاءه بسهولة، وأن يشعر أن ثروة بلده الزراعية تنعكس على استقرار حياته اليومية. يريد أن يرى زيت الزيتون المحلي حاضرًا بقوة في السوق، مدعومًا بسياسة واضحة، لا أن يقف في طابور لبديلٍ مستورد.
فالزيت الذي يخرج من أرضنا يجب أن يكون عنوان اكتفاء، لا ذكرى موسم.
وإذا بقي المواطن ينتظر الزيت في الطابور، فالسؤال سيبقى حاضرًا وبقوة:
كيف نملك شجرة الزيتون… ولا نملك استقرار الزيت؟
-
-
الضمان الاجتماعي خط احمر2026-02-22 -
رمضان… اختبار القلوب أم عروض الوجوه؟2026-02-20 -
الأردن ليس فقير… لكن المواطن يزداد فقرا2026-02-19 -
