باسم عارف الشوره
في كلّ مرّة يخرج علينا من يدّعي المعرفة ليطعن في الشعر البدويّ الأردنيّ، يتكشّف جوهر المسألة سريعًا: ليس خلافًا نقديًّا ولا رأيًا أدبيًّا، بل امتدادٌ لفكرٍ إقصائيّ يحاول النيل من كلّ ما هو أردنيّ، من الشعر إلى الرواية، ومن التراث الشفهيّ إلى السرديّة الوطنيّة الجامعة.
فالشعر الأردنيّ، وبخاصّة الشعر البدويّ، ليس نتاج مرحلة عابرة ولا صدى لمسابقات إعلاميّة، بل هو ذاكرة حيّة تشكّلت عبر قرون في جميع محافظات المملكة، من شمالها إلى جنوبها، ومن بوادِيها إلى ريفها. هو شعر وُلد من الأرض والناس، من القيم والعادات، من الفروسية والكرامة، من الفقد والانتصار، ومن تفاصيل الحياة اليوميّة التي لا تُدرَّس في مدارس ولا تُمنَح بإجازة من أحد.
لقد امتلك الأردنيّون عبر تاريخهم مدرسة شعريّة واضحة المعالم، لها لغتها الجزلة، وصورها المكثّفة، وأوزانها المستقرّة، وأغراضها المتنوّعة. من قصائد الحماسة والفخر، إلى الحكمة والغزل والوصف، تشكّل هذا الشعر بوصفه جزءًا لا يتجزّأ من الوعي الجمعي الأردني، لا هامشًا تابعًا ولا ظاهرة مستعارة.
والأهمّ أنّ هذا الإرث لم يبقَ مجرّد رواية شفهيّة، بل جرى جمعه وتوثيقه ودراسته في مختلف محافظات المملكة، فظهرت نصوص رصينة، مكتملة البناء، تثبت بما لا يدع مجالًا للشكّ أنّ الشعر الأردنيّ سابق على كلّ موجة، وأبقى من كلّ تشكيك، وأعمق من كلّ خطاب استعلائيّ.
أما محاولة إنكار هذا المنجز أو التقليل من شأنه، فهي لا تنفصل عن محاولات مشابهة طالت الرواية الأردنيّة، التي أثبتت حضورها عربيًّا وعالميًّا، وحصدت جوائز مرموقة بجدارة إبداعيّة لا بدعاية ولا مجاملة. وهو ما يؤكّد أنّ الإبداع الأردنيّ، شعرًا ونثرًا، لم يكن يومًا عابرًا أو هامشيًّا.
إنّ الخطر الحقيقي لا يكمن في رأيٍ جاهلٍ يُقال، بل في ترك السرديّة الأردنيّة بلا توثيقٍ ولا دفاعٍ معرفيّ. من هنا، فإنّ الواجب الثقافي يفرض علينا الانتقال من ردود الأفعال إلى بناء خطاب واعٍ، يُعلي من قيمة الشعراء الأردنيين، ويؤرّخ لتجربتهم، ويضع منجزهم في سياقه الطبيعي ضمن الثقافة العربيّة.
فالشعر الأردنيّ لا يطلب اعترافًا من أحد، لكنه يستحقّ أن يُروى بصدق، وأن يُكتب بثقة، وأن يُقدَّم للأجيال بوصفه ما هو عليه فعلًا: ذاكرة وطن، وسجلّ هوية، وصوت أرض لا يقبل الوصاية ولا الإنكار.
-
-
مأدبا اليوم: نحو تطوير شامل ومستدام2026-01-08 -
-
-
