الديمقراطية المحلية بين النص والواقع… حين يتحوّل الانتخاب إلى طقس بلا روح

الديمقراطية المحلية بين النص والواقع… حين يتحوّل الانتخاب إلى طقس بلا روح


باسم عارف الشوره 

ليست المشكلة في صناديق الاقتراع ولا في نسب المشاركة ولا في عدد الناخبين، بل في المعنى الحقيقي للديمقراطية؛ أن يُدلي المواطن بصوته وهو يعلم أن صوته سيُنتج سلطة حقيقية ويصنع قرارًا ويُغيّر مسارًا، لا أن يتحول الانتخاب إلى إجراء شكلي لا أثر له في إدارة الشأن العام.
ما يُطرح اليوم في تعديلات قانون الإدارة المحلية لا يمكن قراءته كنص قانوني عابر، بل كرسالة سياسية واضحة مفادها أن الثقة تُمنح شكليًا، بينما القرار يُسحب فعليًا، إذ كيف يمكن إقناع المواطن بجدوى الانتخابات البلدية المقبلة ورئيس البلدية المنتخب لا يملك قرار التعيين ولا إدارة المال العام ولا إدارة موظفي البلدية، ثم يُطلب منه في الوقت ذاته تحمّل المسؤولية والمحاسبة أمام الناس؟
إن فصل السلطة عن المسؤولية، وتحويل مدير البلدية المُعيَّن إلى الحاكم الفعلي، مع إبقاء الرئيس المنتخب في موقع رمزي أو بروتوكولي، لا يُمكن تسويقه على أنه إصلاح إداري، بل هو تفريغ ناعم للإرادة الشعبية، وإعادة إنتاج للمركزية بثوب جديد وأدوات مختلفة.
أما إلغاء انتخابات مجالس المحافظات (اللامركزية)، فهو التراجع الأخطر في هذه التعديلات، فاللامركزية لم تكن ترفًا سياسيًا ولا تجربة كمالية، بل جاءت استجابة لمطالب حقيقية بالمشاركة الشعبية والعدالة التنموية وتمثيل هموم المحافظات، واستبدال الانتخاب بالتعيين من هيئات أو نقابات، مهما كانت منتخبة، لا يُعوّض غياب صوت المواطن المباشر، بل يُضيّق قاعدة التمثيل ويُقصي شرائح واسعة من المجتمع.
الأخطر من كل ذلك أن هذه التعديلات تُكرّس معادلة مختلة: منتخب بلا صلاحيات، ومُعيَّن بلا مساءلة، في وقت نُطالب فيه الناس بالمشاركة، ثم نُضعف أدواتها، ونرفع شعارات التحديث السياسي، ثم نُقلّص مساحته على أرض الواقع، ونتحدث عن تمكين المجتمعات المحلية، ثم نُعيد القرار إلى المكاتب المغلقة.
الديمقراطية لا تُبنى بالخوف من التجربة، ولا بمعاقبة الإخفاق بسحب الصلاحيات، بل بتصويب المسار وتطوير الأداء وتعزيز الرقابة وبناء الثقة بين المواطن والدولة، أما الإبقاء على الشكل وإفراغ المضمون فلن يُنتج استقرارًا ولا إصلاحًا، بل يُراكم الإحباط ويُعمّق الفجوة بين الناس والمؤسسات.
فالانتخابات ليست واجبًا على المواطن وحده، بل عقدًا أخلاقيًا وسياسيًا واضحًا: أصوّت لأُشارك، وأختار ليُحترم اختياري، وأُحاسب لأن من انتخبت يملك القرار، أما غير ذلك فسيبقى مجرد ديمقراطية على الورق، وسياسة بلا روح، وصندوق اقتراع لا يسمع صداه أحد.