الإصلاح في الأردن.. خطى متثاقلة

style="box-sizing: border-box; font-size: 17px; margin: 0px 14.3125px 0px auto; text-align: justify; width: 687.35px; font-family: Helvetica; background-color: rgb(255, 255, 255);">

المتابع لردة فعل الشارع الأردني على التعديلات الدستورية لإصلاح المنظومة السياسية بهدف التحول الى حكومات حزبية برلمانية، يرى غياب الثقة الشعبية في إمكانية انجاز اصلاح حقيقي يفضي الى تحولات جذرية في المشهد القائم.
وقبل مناقشة أسباب الثقة غائبة، علينا الاعتراف بحجم الفجوة بين الشارع ومطبخ صناعة القرار، فالأوضاع الاقتصادية الصعبة بعد أزمة كورونا فاقمت حجم البطالة والفقر في البلاد ، وأدت الى تراجع القدرة الشرائية وتعطل الانفاق الاستهلاكي ، كما  أفرزت مظاهر سلبية مثل هيمنة المال السياسي والمحسوبية والواسطة وغياب عدالة التشغيل والتوظيف وجود حالة من التذمر المزمن لدى المواطن وزادت الشكوك بقتامة المستقبل رغم دخولنا في المئوية الثانية للدولة .
في المقابل يرى المتابع للمشهد الأردني في اللقاءات المكثفة التي يجريها الملك عبدالله مع النخب السياسية والاقتصادية وحتى الاجتماعية في البلاد بأن قائد البلاد يقود بنفسه الحراك لتسريع الإصلاح المتثاقل ، الذي لا يطرب قوى الشد العكسي التي تسعى للحفاظ على مكتسباتها وتعطيل دواليب التغيير .
الملك بروحه القتالية المتفائلة يؤكد مرارا خلال اللقاءات التي يجريها على ضرورة مواكبة الإصلاح السياسي  إصلاحات اقتصادية وإدارية بالتوازي حتى لا تتأثر عملية الإصلاح برمتها، وهنا مربط الفرص بضرورة تحقيق إنجازات يلمسها المواطن  الاردني وتنعكس على حياته اليومية ومعيشته التي تزداد قساوة وضنكا.
 ورغم التحفظ على بعض التعديلات الدستورية ومخاوف تمركز السلطات ، لكنها في المجمل إيجابية في اتجاه تعزيز المشاركة السياسية لشرائح المجتمع الأردني كافة وتمثيل فئات غائبة عن المشهد لسنوات بسبب اعتبارات مختلفة ومعروفة، فضلا عن دعمها لتمكين المرأة والشباب . في المقابل لا تضمن هذه التعديلات إمكانية عدم تغول مؤسسة أو سلطة ما على سلطات الدولة الأخرى . 
الإصلاح الإداري لا يزال بطيئا رغم كثرة الحديث عنه، ويحتاج الى إعادة النظر في هيكل القطاع العام وتغيير العقلية الإدارية البالية التي تدير الدولة بأدوات قديمة ، بينما يشهد العالم تحولا في مفهوم الدولة والخدمات ، فالاتجاه العالمي نحو تسهيل الخدمات والرقمنة وتعزيز الادوات الالكترونية وتبسيط الإجراءات.
لذلك لا يجب اختزال الإصلاح الإداري في لجنة تحديث  القطاع العام ، فالحكومات لدينا للأسف غير قادرة على اصلاح نفسها في ظل معايير التشكيل التقليدية ، فكيف يصلح القطاع العام نفسه وهو مترهل ، وهنا ينسحب الحديث على الإصلاح الاقتصادي الأهم .
 من هنا يبدو مناسبا التوجيه بتشكيل لجان عاجلة ذات صلاحيات من رأس الهرم  تضم كافة اطراف المعادلة الإدارية والاقتصادية في المجتمع الأردني ، بحيث يتم التفكير خارج الصندوق التقليدي في حلول ناجعة تقرأ المشهد الإقليمي والعالمي المتغير على صعيد الاقتصاد والاستثماري واستغلال الميزة النسبية. 
بدون مواربة، عملية الإصلاح معقدة وخصوصا في الجانب الاقتصادي لأننا أمام خيار تغيير مفهوم الدولة وطبيعة دورها بعد جائحة كورونا ، هل سنبقى أسرى للجباية والضرائب التي تشكل عماد الموازنة الأردنية ، وهل ستبقى النفقات الجارية على ما هي عليه في ظل وجود جهاز اداري متضخم ، وهل ستبقى النفقات الرأسمالية خجولة كما نلاحظها ؟ أسئلة كثيرة لا تجد إجابات لدى الحكومة التي أصبحت أقرب الى إدارة تصريف أعمال بدلا من العمل بعقلية المؤسسة الوازنة ممثلة برجال الدولة . 
أجد لزاما التفكير في تغيير أدوات صناعة القرار  لدينا لتكون فعالة مع وجود رغبة ملكية صريحة وحقيقية بتسريع الإصلاحات الشاملة في كل مؤسسات الدولة .. هناك عمل مؤسسي يجب أن يقود السياسات في الاردن بعيدا عن مزاجية أو اختيارات حكومة لا نضمن استمرار فريقها ولا نحدد موعد رحيلها !