بقلم : عدي الشوره
في عالمٍ يُفترض أن تحكمه القوانين الدولية والأعراف الدبلوماسية، ما زالت بعض القوى الكبرى تتعامل مع السياسة الخارجية بعقلية السيطرة لا الشراكة، وبمنطق الغلبة لا القانون. ومن أبرز الأمثلة على ذلك، قضية الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، التي طُرحت في مرحلة حكم دونالد ترامب ضمن خطاب سياسي تصعيدي، تجاوز النقد السياسي إلى التلويح بالاعتقال والتدخل، في مشهد يعكس ذهنية القوة أكثر مما يعكس احترام النظام الدولي.
إن الدعوة إلى "اعتقال رئيس دولة” خارج الأطر القضائية الدولية المعترف بها، لا يمكن فصلها عن سياق سياسي أوسع، يقوم على فرض الإرادة بالقوة، لا على البحث عن حلول حقيقية للأزمات. فالقانون الدولي لا يُدار عبر التصريحات الإعلامية ولا عبر قرارات أحادية، بل عبر مؤسسات، حتى وإن كانت بطيئة أو ناقصة.
خلال فترة حكم ترامب، برز نهج يمكن وصفه بـ”دبلوماسية البلطجة السياسية”، حيث استُخدمت العقوبات الاقتصادية، والتهديدات العلنية، ومحاولات العزل السياسي، كأدوات ضغط مباشرة. وفي الحالة الفنزويلية، لم يكن الخلاف محصورًا في ملف الديمقراطية أو الحريات، بل تداخل بشكل واضح مع حسابات المصالح، وعلى رأسها الموارد الطبيعية الهائلة التي تمتلكها فنزويلا، وفي مقدمتها النفط.
فنزويلا، بثروتها النفطية الضخمة، لم تكن يومًا خارج دائرة الاهتمام الأمريكي، لكن خطاب إدارة ترامب كشف بوضوح أن الصراع لم يكن أخلاقيًا بقدر ما كان اقتصاديًا وسياديًا. فحين تُستخدم شعارات "إنقاذ الشعب” بالتوازي مع سياسات تخنق هذا الشعب اقتصاديًا، يصبح من المشروع التساؤل: هل الهدف هو التغيير، أم إعادة السيطرة على القرار والموارد؟
المفارقة أن هذا النهج، الذي يُسوَّق على أنه دفاع عن الحرية، غالبًا ما يؤدي إلى نتائج عكسية. فهو يعزز خطاب المواجهة داخل الدول المستهدفة، ويمنح الأنظمة ذريعة لتصوير أي معارضة داخلية على أنها امتداد لتدخل خارجي، بينما يبقى المواطن العادي هو الضحية الأولى، محاصرًا بين سلطة داخلية وعقوبات خارجية.
السياسة، في جوهرها، ليست استعراض قوة ولا سباق نفوذ على حساب الشعوب، بل إدارة عقلانية للمصالح ضمن قواعد واضحة. وعندما تتحول إلى أداة لفرض السيطرة على الموارد تحت غطاء الشعارات، فإنها تفقد قيمتها الأخلاقية وتكشف حقيقتها. إن العالم لا يحتاج إلى مزيد من البلطجة السياسية، بل إلى احترام سيادة الدول، وترك الشعوب تقرر مصيرها بعيدًا عن الضغوط والابتزاز الاقتصادي.
-
هنا الأردن… حيث تنكسر العواصف2026-02-28 -
-
-
-
الضمان الاجتماعي خط احمر2026-02-22
