ذات يوم قريب كان الحمار شريكا في حمل الحضارة الإنسانية. وحين بدأت السيارات تنتزع منه عمله، رثته الصحافة عام 1925، وكأن العالم فقد كائنا لا يمكن الاستغناء عنه. لكن الحمار مضى واستمرت الحياة. واليوم تعود الحكاية بصورة أكثر خطورة: الآلة لا تنتزع من الإنسان عضلاته، بل تقترب من انتزاع عقله.
القصة كانت هادئة مع الآلة الحاسبة. أراحت الذاكرة من الحساب، لكنها أضعفت الحساب الذهني والإحساس بالأرقام. ثم جاء الإنترنت، فصار بوسعنا ألا نتذكر ما نعرف أين نجده. أما الذكاء الاصطناعي فقد خطا خطوة أبعد: لم يعد يخزن عنا أو يبحث عنا، بل يكتب ويحلل ويبرمج ويقترح ويفكر معنا، وأحيانا بدلا منا.
وهنا تكمن المسألة الحقيقية. ليست القضية أن تخسر البشرية بعض الوظائف؛ فالإنسان قادر على اختراع وظائف جديدة. الخطر أن تخسر بعض القدرة التي تجعلها قادرة على اختراعها. أن يتحول الذكاء الاصطناعي من أداة تمد العقل إلى عكاز يضعف ساقه.
يسمى كل ذلك التفريغ المعرفي، أي أن نضع الذاكرة والبحث والحساب وبعض عمليات التفكير خارج رؤوسنا، ثم نعتاد ألا نستعيدها. وقد عرفنا من قبل تأثير غوغل وقت تراجعت قدرتنا على الاحتفاظ بالمعلومة؛ لأن الوصول إليها صار سهلا. لكن الجديد أن الذكاء الاصطناعي بات يفرغ من عقولنا شيئا أكبر: مشقة المحاولة نفسها.
دراسة حديثة تناولت أثر استخدام الذكاء الاصطناعي وجدت أن عشر دقائق من الاستعانة به في حل مسائل أو فهم نصوص ارتبطت بتراجع الأداء المستقل لاحقا، وأن المعتمدين عليه كانوا أسرع إلى الاستسلام أمام المهمات الصعبة. كأن الطالب لا يتعلم كيف يحل المسألة، بل يتعلم كيف يجد من يحلها عنه.
وهذا هو الفارق بين معلم يساعدك ومعلم لا يتركك تحاول. الذكاء الاصطناعي لا يضجر من الإجابة، ولا يقول لك: فكر وحدك هذه المرة. لذلك قد يكون مفيدا إلى الحد الذي يجعلنا أقل قدرة على الاستغناء عنه.
لم يعد السؤال إذن: هل ستأخذ الآلة وظائفنا؟ بل: هل ستأخذ منا عادة التفكير؟ وقد اختصر أنطونيو غوتيريش القلق كله بسؤال: هل سنقوم بحوكمته معا؟ أم سنسمح له بأن يحكمنا؟ بالطبع لا نحتاج إلى كسر الآلات، إنما إلى إبقاء شيء داخل الإنسان لا تسلمه الآلة عنه: المحاولة.
فحين تتولى الآلة التفكير، قد لا نصبح أغبى لأنها أصبحت أذكى.
قد نصبح أغبى لأننا لم نعد نحتاج إلى أن نكون أذكياء.
-
الانتخابات الإسرائيلية2026-09-01 -
-
-
الدولة التي تصل إلى باب المدرسة2026-08-31 -
الملكة.. عام جديد في سياق مسيرة متواصلة2026-08-31
