الفاقد الكهربائي إشاعة الموسم

الفاقد الكهربائي إشاعة الموسم

الفواتير ترتفع لأنك تستهلك

 أكثر لا لأن الشركات تسرقك!

كل صيف وكل شتاء يتكرر المشهد نفسه: ترتفع فواتير الكهرباء، وتنتشر حملات على وسائل التواصل تتهم شركات التوزيع بتوزيع الفاقد أو تحميل السرقات والفاقد الفني على المواطنين. ويصل الأمر أحياناً إلى ادعاءات بأن الشركات أقرت بهذا الإجراء. الحقيقة الرسمية والفنية واحدة ومتكررة منذ سنوات: توزيع الفاقد مباشرة على فواتير المشتركين مستحيل التطبيق، وغير موجود، وغير مقبول.

 ما هو الفاقد أصلاً؟

 الفاقد الكهربائي موجود في كل شبكات العالم، وينقسم إلى نوعين:

  فاقد فني: ناتج عن مقاومة الأسلاك والمحولات وخصائص الشبكة نفسها (طول الخطوط، بعد الأحمال، عدم توازن الأحمال ).

  فاقد غير فني (إداري): ناتج عن السرقات، التلاعب بالعدادات، أو الاستجرار غير المشروع.

 نسب الفاقد في الأردن تقدر بـ 11% تقريباً على شبكات التوزيع (أقل على النقل)، وهي من المتوسطات العالمية الجيدة، لكنها ليست استثناءً عالمياً.

 هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن تراقب هذه النسب وتفرض غرامات على شركات التوزيع إذا تجاوزت المستويات المستهدفة والشركات نفسها تدفع ملايين الدنانير غرامات سنوياً بسبب الفاقد الزائد، وتبذل جهوداً مع الأجهزة الأمنية لمكافحة الاعتداءات والاستجرار غير القانوني، وتتوسع في العدادات الذكية التي تكشف التلاعب فوراً.

 هل يُوزَّع الفاقد على فواتير المواطنين؟

 الجواب القاطع من كل الجهات الرسمية المعنية: لا.

  شركات التوزيع الثلاث (الكهرباء الأردنية، كهرباء إربد، وتوزيع الكهرباء) نفت مراراً وبشكل قاطع أي إقرار بتحميل الفاقد على الفواتير، سواء في كانون الأول وكانون الثاني أو أي شهر آخر. 

  المدراء العامون لشركة الكهرباء الأردنية، وشركات التوزيع الأخرى، وصفوا الأمر مراراً بأنه مستحيل وغير مقبول أبداً. الفواتير تُحسب حصرياً وفق التعرفة المعتمدة من هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن، وبناءً على الاستهلاك الفعلي المسجل على العداد فقط. لا توجد آلية أو قرار يجيز إضافة أي نسبة أو بند متعلق بالفاقد.

  هيئة تنظيم قطاع الطاقة والمعادن أكدت مراراً (بما في ذلك بيانات رسمية في 2024 و2025 و2026) أن الفاقد لا يُحتسب على فواتير المشتركين، وأن العداد هو الفيصل الوحيد بين المواطن والشركة. إذا فصل المشترك كل الأجهزة وسافر شهراً، لن يجد أي استهلاك. القيمة في الفاتورة تعكس الكمية المقروءة والتعرفة المعلنة فقط.

 من الناحية العملية: كيف يمكن توزيع فاقد على 1.6 مليون فاتورة شهرياً بطريقة عشوائية أو موسمية دون أن يظهر ذلك في نظام الفوترة الإلكتروني المربوط بالعدادات (ومعظمها ذكية اليوم)؟ الأمر مستحيل تقنياً وتنظيمياً.

 إذن لماذا ترتفع الفواتير صيفاً وشتاءً؟

 السبب الحقيقي والواضح: زيادة الاستهلاك الفعلي.

 في الشتاء يزداد استخدام التدفئة الكهربائية، سخانات المياه، والإنارة لساعات أطول. في الصيف يرتفع استهلاك المكيفات وأجهزة التبريد. هذا أمر عالمي، وليس خاصاً بالأردن. الشرائح التصاعدية في التعرفة (مدعومة في البداية ثم ترتفع بشكل ملحوظ بعد 300 أو 600 كيلوواط ساعة) تجعل أي زيادة في الاستهلاك تظهر بقوة في الفاتورة. كثير من المشتركين ينتقلون فجأة من شريحة مدعومة إلى شريحة أعلى، فيشعرون بالارتفاع الحاد. هذا ليس توزيع فاقد، بل نتيجة طبيعة التعرفة والشرائح نفسها.

 التعرفة نفسها مصممة لتشمل الكلف الكلية للنظام (توليد، نقل، توزيع، فاقد فني مقبول، أرباح الشركات المرخصة ) ضمن سعر الكيلوواط. هذا أمر طبيعي في كل الدول، ولا يعني أن شركة التوزيع تأخذ فاقداً معيناً وتقسمه شهرياً على المشتركين.

 لماذا تتكرر هذه الحملات؟

  ارتفاع الفواتير الموسمي يخلق غضباً مفهوماً، خاصة مع ضغوط المعيشة.

  تصريحات اعلامية غير رسمية أو منشورات غير دقيقة تنتشر بسرعة أكبر من التوضيحات الرسمية.

  ضعف الوعي بآلية الشرائح والعدادات الذكية يجعل «نظرية الفاقد» تبدو تفسيرًا سهلاً ومريحاً.

  بعض الحملات تخلط عمداً أو سهواً بين وجود الفاقد حقيقة وبين تحميله مباشرة على الفواتير الفردية وهذا غير صحيح.

 الشركات والهيئة تدعوان دائماً إلى الرجوع للمصادر الرسمية، وإلى مراجعة أي فاتورة مشكوك فيها (قراءة العداد، طلب فحص، تقديم شكوى). أي مواطن يستطيع التحقق بنفسه: الاستهلاك المسجل × التعرفة المعلنة = قيمة الاستهلاك في الفاتورة.

توزيع الفاقد مباشرة على فواتير المشتركين مستحيل التطبيق وغير موجود في النظام الأردني. الارتفاع الموسمي ناتج عن زيادة الاستهلاك الحقيقي وتأثير الشرائح التصاعدية. الفاقد موجود ويُدار على مستوى النظام والتعرفة الكلية، مع رقابة وغرامات على الشركات، وجهود مستمرة لتقليله عبر العدادات الذكية ومكافحة الاعتداءات.

 الشفافية مطلوبة دائماً، والنقد البنّاء لارتفاع الكلف أو نسب الفاقد مشروع. لكن تحويل الغضب الموسمي إلى اتهامات غير صحيحة لا يخدم المواطن ولا يحسن الخدمة. الحقيقة أبسط مما يُروَّج:

  الفاتورة تعكس ما استهلكته أنت، لا ما سرقه غيرك او فقد فنيا.