السلام المحتمل مع ايران يثير مخاوف الفيدرالي الاميركي من رفع اسعار الفائدة

السلام المحتمل مع ايران يثير مخاوف الفيدرالي الاميركي من رفع اسعار الفائدة

يواجه صناع السياسة النقدية في مجلس الاحتياطي الفيدرالي تحديات معقدة، فمع دخول الصراع في الشرق الأوسط شهره الثالث، ارتفعت معدلات التضخم في الولايات المتحدة إلى مستويات غير مسبوقة منذ ثلاث سنوات، الامر الذي وضع مسؤولي البنك في حالة تأهب قصوى لمراقبة ما إذا كانت الضغوط السعرية أصبحت مستعصية وتتطلب التحول من سياسة التثبيت إلى استئناف دورة التشديد النقدي ورفع الفائدة.

وتتجه الأنظار حاليا نحو البيت الأبيض، حيث يدرس الرئيس الاميركي تفاصيل اتفاق محتمل بين مسؤولين أميركيين وإيرانيين لتمديد وقف إطلاق النار الحالي لمدة 60 يوما وإعادة فتح حركة الملاحة البحرية عبر مضيق هرمز، وهو تطور جيوسياسي من شانه اعادة رسم خريطة التوقعات الاقتصادية لـ«وول ستريت».

مفارقة دويتشه بنك

وفي هذا السياق، طرح بنك دويتشه بنك تحليلا لافتا في مذكرة بحثية حديثة، اشار فيها إلى أنه على الرغم من أن إبرام اتفاق سلام سيؤدي إلى تبديد مخاطر التضخم على المدى القصير، فان احتمال رفع أسعار الفائدة على المدى الأبعد يظل قائما وقويا إذا استقرت أسعار النفط عند مستويات أعلى مما كانت عليه قبل اندلاع الحرب، وفق ما ذكر موقع ياهو فاينانس.

واوضح مات لوزيتي رئيس الخبراء الاقتصاديين في دويتشه بنك، أن مسؤولي الفيدرالي قد يميلون في البداية إلى غض الطرف عن ضغوط التضخم الأساسي المؤقتة المرتبطة بالارتفاع الأخير في أسعار النفط والتعامل مع صدمة الطاقة كأمر عابر، مستدركا بان سيناريو رفع الفائدة سيظل مطروحا على الطاولة لعدة أسباب، ابرزها أن المعدل المحايد للفائدة قد يكون أعلى مما يتوقعه الفيدرالي، فضلا عن مرونة سوق العمل واستعصاء التضخم، وحذر لوزيتي من أنه في حال فشل اتفاق السلام وبقاء مضيق هرمز مغلقا لفترة أطول دون تصعيد عسكري واسع (سيناريو التعايش مع الأزمة)، فان إقرار زيادات متعددة في أسعار الفائدة يصبح احتمالا واقعيا للغاية.

الانقسام الصقوري داخل اروقة الفيدرالي

واظهرت البيانات الرسمية الصادرة هذا الأسبوع صعود مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي (PCE) وهو المقياس المفضل لدى الفيدرالي لقياس التضخم إلى 3.8 في المائة في ابريل الماضي مقارنة بـ3.5 في المائة في مارس، مسجلا أعلى مستوى له في 3 سنوات، وعلى أساس التضخم الأساسي الذي يستبعد أسعار الغذاء والطاقة المتذبذبة، ارتفع المؤشر إلى 3.3 في المائة مقارنة بـ3.2 في المائة في الشهر السابق، وهو ما يبتعد كثيرا عن مستهدف الفيدرالي البالغ 2 في المائة.

وهذه الأرقام عززت النبرة التشديدية لدى عدد من مسؤولي البنك، اذ اعربت حاكمة الفيدرالي ليزا كوك عن قلقها من قيام الشركات بتضمين أسعار الطاقة المرتفعة في تسعير منتجاتها وقيام العمال بدمجها في مفاوضات الأجور، مؤكدة أنها مستعدة لرفع الفائدة إذا لم يتراجع التضخم في إطار زمني مناسب، وبالمثل ابدى رئيس فيدرالي مينيابوليس نيل كاشكاري حذرا شديدا تجاه الضغوط التضخمية المتصاعدة، مشيرا إلى أن الفيدرالي بحاجة إلى كبح هذه المخاطر، وإن كان من المبكر الجزم بضرورة رفع الفائدة.

ومن جانبه تبنى نائب رئيس الفيدرالي فيليب جيفرسون نبرة أكثر توازنا، معربا عن اعتقاده بان التضخم سينخفض في وقت لاحق من هذا العام مع تلاشي تأثيرات الرسوم الجمركية وصدمة الطاقة، لافتا إلى أنه يراقب بدقة ما إذا كانت أسعار الطاقة المرتفعة ستنعكس سلبا على الإنفاق الاستهلاكي.

وفي السياق ذاته اعتبر رئيس فيدرالي نيويورك جون تيمز أن السياسة النقدية في مكان جيد للاستجابة لتداعيات الصراع مع ايران، متوقعا أن يصل التضخم الكلي إلى ذروته خلال الشهرين المقبلين ومفضلا خيار التثبيت.

وفي المقابل ربطت نائبة رئيس الاحتياطي الفيدرالي للاشراف المصرفي ميتشيل بومان موقفها بمدى استدامة الأزمة، مؤكدة أنه إذا استمر الصراع حتى النصف الثاني من العام، فان اتساع رقعة التضخم أو بقاء أسعار النفط مرتفعة لفترة طويلة سيدفعها حتما إلى إعادة النظر في توازن المخاطر والميل نحو مواقف أكثر تشددا.

السندات الاميركية تسبق بوصلة صناع السياسة

ولا يبدو أن أسواق المال تنتظر قرار الفيدرالي، اذ تعكس تحركات سوق السندات الأميركية قناعة بأن السياسة الحالية قد لا تكون تقييدية بما يكفي لكبح جماح التضخم الحاد.

واستقر عائدا سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين والتي تعد المؤشر الاستباقي الأكثر دقة لتوجهات السياسة النقدية على المدى القصير عند مستوى 4 في المائة خلال الأسبوعين الماضيين، وهو سلوك تسعيري يشير بوضوح إلى أن الأسواق باتت تضع في حساباتها ضرورة قيام مجلس الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس إضافية للسيطرة على المشهد المالي المضطرب.