تسببت التداعيات المتزايدة للصراع في الشرق الاوسط في زعزعة استقرار أسواق العقارات السكنية في كل من أوروبا وأميركا الشمالية، اذ شهدت تكاليف القروض العقارية ارتفاعا ملحوظا، مما أدى إلى تفاقم الضغوط على الراغبين في شراء منازل جديدة أو إعادة تمويل قروضهم القائمة.
وجاء هذا الارتفاع الكبير في تكلفة الرهن العقاري على الرغم من إبقاء البنوك المركزية العالمية على أسعار الفائدة الرسمية دون تغيير، اذ سارع ممولو الرهن العقاري إلى رفع أسعار الفائدة استجابة للزيادة الكبيرة في تكلفة الاقتراض الحكومي (عوائد السندات)، وتوقعوا أن البنوك المركزية ستضطر في النهاية إلى رفع أسعار الفائدة للحد من التضخم المتزايد.
وفي الولايات المتحدة، أدت الحرب إلى ارتفاع أسعار الفائدة على القروض العقارية لمدة 30 عاما، وهو المعيار القياسي في هذا القطاع، لتصل إلى 6.36 في المائة، متجاوزة المستويات المسجلة في سبتمبر 2025 قبل أن يبدأ مجلس الاحتياطي الفيدرالي الاميركي دورة خفض الفائدة التي شملت 3 تخفيضات متتالية بمقدار ربع نقطة مئوية لكل منها.
وتأتي هذه الزيادة الكبيرة لتصدم سوق الإسكان الأميركية التي كانت تعاني اصلا من نقص حاد في المعروض من المنازل حتى قبل اندلاع النزاع في أواخر فبراير الماضي، وارتفاع أسعار النفط نتيجة للحصار الايراني لمضيق هرمز.
ضغوط على الاسواق الاوروبية نتيجة للقفزات المفاجئة
ولم تنج منطقة اليورو من هذه الموجة، ففي ألمانيا، وهي أكبر اقتصاد في التكتل الأوروبي، ارتفعت أسعار الفائدة على القروض العقارية بنحو 0.3 نقطة مئوية، لتصل الفائدة على القروض الشعبية لمدة 10 سنوات إلى حوالي 3.6 في المائة، وفقا لبيانات وسيط الرهن العقاري الألماني دكتور كلاين.
وتعني هذه الزيادة عمليا ارتفاع التكاليف السنوية لقرض جديد بقيمة 350 ألف يورو بمقدار 1000 يورو، لتصل تكلفة الفائدة وحدها إلى حوالي 13 ألف يورو سنويا.
وصرح فلوريان بفافينجر، المسؤول التنفيذي في المؤسسة، قائلا: "الاسعار ارتفعت بشكل حاد في غضون أسابيع قليلة، مما تسبب في حالة ارتباك وتوجس شديد في السوق، ودفع بعض المشترين للاندفاع لاتمام عقودهم خوفا من زيادات قياسية مقبلة".
اما بريطانيا، فقد سجلت الارتفاع الاشد والاعنف بين الاقتصادات الغربية، اذ قفز متوسط السعر المعروض لقرض عقاري ثابت لمدة سنتين (بنسبة تمويل بلغت 75 في المائة من قيمة العقار) إلى 5.1 في المائة خلال ابريل الماضي، مقارنة بنحو 3.97 في المائة فقط خلال نهاية فبراير الماضي، ووصفت هينا بهوديا، الشريكة في مؤسسة نايت فرنك فاينانس، هذه الطفرة الفجائية بانها "ضربة حقيقية وقاسية للقدرة الشرائية للمواطنين".
تبخر جهود الادارة الامريكية
في المقابل، حاولت إدارة الرئيس الاميركي، دونالد ترمب، التدخل لخفض أسعار الفائدة العقارية وكبح جماح الارتفاع عبر استخدام المؤسسات الحكومية العملاقة مثل فاني مي وفريدي ماك لشراء سنداتها الخاصة المدعومة بقروض عقارية لضخ السيولة، الا ان المحللين اكدوا ان الآثار الايجابية لتلك التدخلات الحكومية تلاشت تماما والُغيت بفعل الصدمة الجيوسياسية للحرب، وفي هذا الصدد، قال مات أكس، الخبير الاقتصادي في مؤسسة إيفركور آي إس آي: "ان تاثير مشتريات الادارة الاميركية ابتُلع وسُحق سريعا بفعل العوامل الحربية وتداعياتها المباشرة على أسواق المال".
من جانبه، اكد برادلي سوندرز، خبير اقتصاد أميركا الشمالية في كابيتال إيكونوميكس، أن سوق الإسكان الأميركية ستواجه صعوبة بالغة في بناء أي زخم أو تحقيق نمو ما دامت أسعار الفائدة العقارية عالقة فوق مستوى 6 في المائة.
وفي السياق ذاته، اشار برايان لويس، الوكيل العقاري في شركة الوساطة الاميركية كومباس، إلى أن كثيراً من المشترين المحتملين بداوا يتقبلون واقعاً مراً، هو أنهم لن يروا أسعار فائدة (التي سُجلت خلال جائحة كورونا) عند مستوى اثنين في المائة مرة أخرى طيلة حياتهم.
"ركود تضخمي" يلوح في الافق
ويرى مستثمرون واقتصاديون أن أسعار الفائدة العقارية مرشحة لمزيد من الارتفاع إذا استمر شلل الملاحة في مضيق هرمز، الذي كان يتدفق عبره خُمس النفط العالمي قبل فرض القيود والحصار، مما سيجبر البنوك المركزية في نهاية المطاف على رفع الفائدة الرسمية بشكل هجومي للسيطرة على الضغوط التضخمية العاتية.
وحذر جون مويلباور، الخبير الاقتصادي في جامعة أكسفورد، من خطورة المشهد قائلا: "ان مخاطر حدوث خطأ في الحسابات والتقديرات بين ترمب والقيادة الايرانية آخذة في التصاعد، واي تصعيد اضافي في هذا الصراع سيدفع بالاقتصاد العالمي مباشرة نحو حالة ركود تضخمي شديدة الخطورة".
واختتمت هينا بهوديا من مؤسسة نايت فرنك المشهد التحليلي بالإشارة إلى أن هذه الارتفاعات الصاروخية ستؤدي حتماً إلى عزوف المشترين، مضيفة: "سنشهد قريبا وبتاثير رجعي تباطؤا حادا في حركة الصفقات العقارية وضغوطا هبوطية تضرب أسعار المنازل، ومدى هذا التراجع يعتمد كليا على المدة الزمنية التي ستستغرقها الحرب".





