لماذا يواجه الفيدرالي الامريكي صعوبة في خفض الفائدة؟ ندرة راس المال تعقد المشهد

لماذا يواجه الفيدرالي الامريكي صعوبة في خفض الفائدة؟ ندرة راس المال تعقد المشهد

تسيطر قناعة راسخة على مجتمعات الاستثمار ومتابعي الاسواق العالمية مفادها بان رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الامريكي يتمسك بمستويات الفائدة المرتفعة لمحاربة التضخم، لكن قراءة معمقة لما يدور في اسواق المال تكشف ان المعركة الحقيقية تقع بعيدا عن ارقام مؤشر اسعار المستهلكين فالشبح الحقيقي الذي يواجه الاقتصاد العالمي اليوم هو ندرة راس المال الهيكلية.

وتشير البيانات الضمنية لاسواق السندات الى حقيقة قد تبدو صادمة، فالاسواق العالمية تؤكد ان التضخم طويل الاجل بات تحت السيطرة، حيث تقف توقعات التضخم المستقبلية المشتقة من الفارق بين العوائد الاسمية والحقيقية عند مستوى 2.3 في المئة فقط.

ولتبسيط الفكرة، بينت التقارير ان العائد على السندات ينقسم الى شقين اساسيين، الاول هو العائد الاسمي وهو الرقم الذي يراه المستثمر ويتسلمه كفائدة دورية، اما الشق الثاني فهو العائد الحقيقي وهو القوة الشرائية الفعلية للمال بعد استقطاع معدلات التضخم، والفارق بين هذين العائدين يعرف بمصطلح Breakeven Inflation وهو بمثابة الترمومتر الذي يترجم توقعات اسواق المال للتضخم على المدى الطويل.

واوضحت التقارير انه عندما يقف هذا الفارق عند مستويات منخفضة تاريخيا فان الاسواق تبعث برسالة واضحة ومطمئنة بان شبح التضخم بات تحت السيطرة، مما يعني ان استمرار الارتفاع الحاد في العوائد الحقيقية للسندات لا يعود الى الخوف من غلاء الاسعار بل الى ندرة الرساميل واشتداد التنافس العالمي عليها.

لغز عوائد تي اي بي اس ونهاية التخمة

وتكمن الحكاية الحقيقية في سوق السندات الامريكية المحمية من التضخم التي تعكس العائد الحقيقي الصافي بعيدا عن ضوضاء الاسعار، ففي الربع الاخير من عام 2025 خرج مزاد سندات الخزانة لاجل 30 عاما المحمية من التضخم بعائد حقيقي بلغ 2.65 في المئة وهو الاعلى لهذه الشريحة منذ ربع قرن.

ووفقا للقاعدة البدائية للاقتصاد بان العائد يرتفع عندما ينخفض السعر نتيجة ضعف الطلب، فان هذه القفزة تعني ان ملاذات الاستثمار الاعلى امانا لم تعد تشهد ذات التهافت التاريخي من قبل صناديق التقاعد والمصارف المركزية.

واظهرت البيانات ان هذا المشهد يعلن رسميا نهاية الحقبة التي عرفها الاقتصاد العالمي باسم فائض المدخرات العالمي، وهي المرحلة التي تميزت بتدفق مدخرات الصين واليابان ودول الخليج نحو ادوات الدين الامريكية بحثا عن الامان مما سمح للاحتياطي الفيدرالي بطباعة الدولار واغراق الاسواق بتمويل رخيص.

واكدت التقارير انه اليوم استقرت التزامات صناديق المعاشات الكبرى، والاهم من ذلك ان السياسة النقدية باتت تواجه منافسا شرسا استقطب الفوائض المالية نحو وجهات جديدة اكبر اغراء واعلى عائدا.

ثورة الذكاء الاصطناعي وموازنات الدفاع تلتهمان السيولة

وتتحرك الرساميل العالمية اليوم باتجاه تمويل قفزات تكنولوجية وجيوسياسية غير مسبوقة، حيث يلتهم قطاع الذكاء الاصطناعي وميزانيات الدفاع المتصاعدة والبنية التحتية للجيل المقبل من الاتصالات الجزء الاكبر من السيولة المتاحة، وتجاوز الانفاق الراسمالي للشركات التكنولوجية العملاقة حاجز 300 مليار دولار في 2025 الذي وجه لبناء مراكز البيانات والشرائح الفائقة وتامين الطاقة التشغيلية لها.

واضافت التقارير ان هذا التحول الهيكلي نقل العالم من بيئة يتجاوز فيها حجم الاموال حجم الفرص المتاحة الى عالم جديد باتت فيه الفرص والمشروعات الاستراتيجية تفوق حجم الرساميل المتوفرة مما يرفع تلقائيا من التكلفة الطبيعية للمال.

معضلة ار ستار وفخ السياسة النقدية

وبينت التقارير ان هذا الواقع يقود الى المفهوم الاهم في ادبيات البنوك المركزية وهو ار ستار او المعدل المحايد للفائدة، والمؤشرات الحالية تدل على ان هذا المعدل قد ارتفع هيكليا مما يضع الادارة النقية للاحتياطي الفيدرالي امام معضلة حقيقية، فاجراء اي خفض كبير في اسعار الفائدة سيعيد السياسة النقدية الى النطاق التيسيري.

واوضحت التقارير انه في ظل اقتصاد يعاني نقصا هيكليا في راس المال مقابل انفاق تكنولوجي ودفاعي هائل فان هذا الخفض سيشعل تضخما هيكليا جديدا ناتجا عن تفوق الطلب على العرض في سوق راس المال.

واضافت التقارير انه في المقابل فان المبالغة في رفع الفائدة قد تضغط على معدلات النمو والتوظيف وتحدث تصدعات في النظام المالي مما يجعل الخيار الثالث والاكثر واقعية امام الاحتياطي الفيدرالي هو الابقاء على تكلفة الاقتراض مرتفعة وعند مستوياتها الحالية لفترة اطول مما تتمناه الاسواق التي لا تزال تحن الى عصر السيولة الرخيصة لعامي 2020 و2021.

خريطة طريق للعقد المقبل

واكدت التقارير ان السنوات العشر المقبلة لن تشبه باي حال من الاحوال العقود الماضية، فالفائدة الصفرية او المنخفضة للغاية لم تكن قاعدة ثابتة في طبيعة الكون بل كانت ظاهرة تاريخية ولّدتها ظروف ديموغرافية واقتصادية دولية محددة وقد انتهت صلاحيتها.

ومع دخول العالم مرحلة تتسم بندرة المال واشتداد المنافسة الدولية على رؤوس الاموال فان الاستراتيجيات الاستثمارية التي بنيت على فرضية عودة التمويل المجاني ستواجه ضغوطا تصحيحية قاسية، وبات السؤال الجوهري الذي يواجه الصناديق والمستثمرين اليوم هو هل تعكس المحافظ الاستثمارية واقعا ولى كانت فيه الفائدة عند مستويات الصفر ام انها مصممة للتعامل مع عالم جديد استقرت فيه تكلفة راس المال عند عتبة 4 في المئة فما فوق؟

وبينت التقارير ان الاجابة عن هذا التساؤل هي التي ستحدد ملامح الثروات والمستقبل المالي للعقد المقبل.