أظهرت النتائج المالية لشركات القطاع العقاري المدرجة في السوق المالية السعودية متانة في الأسس التشغيلية خلال الربع الأول من عام 2026، وذلك رغم تسجيل إعادة تموضع واضحة في دورة الربحية، ونجحت الشركات في تحقيق مبيعات تجاوزت 1.75 مليار دولار، وصافي أرباح بلغ 378.42 مليون دولار.
وبين خبراء أن هذه الحركة التصحيحية تعود بشكل رئيسي إلى الإجراءات التنظيمية التي استهدفت رفع كفاءة السوق وتحقيق التوازن، كتنظيم الإيجارات وتفعيل رسوم الأراضي البيضاء وزيادة المعروض، بالتزامن مع تحول واع في سلوك المستهلك الذي أصبح أكثر حذرا وانتقائية ويركز على جودة المنتج والقيمة الفعلية.
ورغم هذا الانخفاض، فان أداء الشركات أظهر تباينا حادا يعكس دخول السوق مرحلة فرز غربلت النماذج التشغيلية، حيث برهنت المشروعات النوعية على قدرتها في قيادة السوق بنجاح مدفوعة بالنمو القوي لشركات قيادية مثل العقارية التي قفزت أرباحها بنسبة 251.8 في المائة، ودار الاركان بنمو وصل إلى 24.3 في المائة، ما يؤكد انتقال القطاع رسميا من مرحلة النمو السريع المدفوع بالزخم السعري إلى مرحلة النضج والاستدامة التشغيلية تماشيا مع مستهدفات رؤية 2030 والإنفاق الحكومي المستمر على البنية التحتية.
ووفق إعلانات نتائجها المالية في السوق المالية السعودية، سجلت 15 شركة من بين 17 عاملة في القطاع أرباحا صافية، في حين واصلت شركتا مدينة المعرفة وإعمار تسجيل خسائر ربعية.
وتصدرت شركة العقارية أعلى شركات القطاع ربحية خلال الربع الأول محققة 475.7 مليون ريال بنسبة نمو وصلت إلى 251.8 في المائة عن الربع المماثل من العام السابق.
وحلّت دار الاركان ثانية في أعلى شركات القطاع ربحية بعد تحقيقها أرباحا بنحو 260.2 مليون ريال خلال الربع الأول لتسجل نموا عن الربع المماثل من العام السابق بنسبة 24.3 في المائة، في حين حلت شركة سينومي سنترز في المرتبة الثالثة رغم انخفاض نمو أرباحها بنسبة 8 في المائة محققة نحو 202.5 مليون ريال.
وانخفضت مبيعات شركات قطاع إدارة وتطوير العقارات المدرجة في السوق المالية السعودية خلال الربع الأول من 2026 بنسبة 4.45 في المائة، حيث بلغ إجمالي مبيعاتها نحو 1.57 مليار دولار مقارنة بمبيعات تجاوزت 1.64 مليار دولار خلال الربع ذاته من العام الماضي.
وحققت دار الاركان أعلى مبيعات بين شركات القطاع بإيرادات بلغت 1.16 مليار ريال وبنسبة نمو وصلت إلى 24.8 في المائة، وجاءت جبل عمر ثانية بمبيعات وصلت إلى 739.17 مليون ريال رغم تراجعها بشكل طفيف بنحو 1.1 في المائة عن مبيعات الربع الأول من العام الماضي، في حين حلت البحر الاحمر ثالثة في أعلى المبيعات بين شركات القطاع العقاري بتحقيقها إيرادات تجاوزت 631 مليون ريال وبانخفاض عن الربع المماثل من العام السابق بنحو 9.9 في المائة.
إعادة تموضع محاسبي
وفي تعليق على نتائج شركات القطاع، يرى الخبير والمهتم بالشأن العقاري عبد الله الموسى أن تراجع أرباح شركات العقار المدرجة في السوق المالية السعودية لا يعد سلبيا بقدر ما هو إعادة تموضع في دورة الربحية داخل القطاع، مرجعا هذا التراجع في الأرباح إلى 5 أسباب تتمثل في تغير دورة الإيرادات والاعتراف المحاسبي، حيث إن النتائج المالية لقطاع التطوير العقاري لا تقرا دائما بمنطق القطاعات التشغيلية المستقرة نفسه كون توقيت تسليم المشروعات والاعتراف بالإيرادات قد يصنع فروقات حادة بين ربع وآخر، لذلك فان جزءا من التراجع قد يكون فنيا أكثر من كونه ضعفا تشغيليا.
وأرجع السبب الثاني إلى تباطؤ المضاربة في السوق العقارية وتحولها للواقعية خصوصا في مدينة الرياض والتي تمر السوق فيها بمرحلة انتقال من التسعير المدفوع بالمضاربة إلى التسعير المرتبط بالقيمة الحقيقية والطلب الفعلي وهذا بطبيعته يضغط على الهوامش الربحية لبعض الشركات التي استفادت سابقا من بيئة أكثر سخونة.
وعزا السبب الثالث إلى ارتفاع تكلفة التمويل والتشغيل، مضيفا أن أثر تكلفة التمويل المرتفعة السابقة ما زال حاضرا على المشروعات العقارية إضافة إلى ارتفاع تكاليف التشغيل والبناء والتنفيذ وهو ما يضغط مباشرة على الربحية.
وزاد بان هناك اختلافا في نماذج الأعمال داخل القطاع ما بين شركات التطوير وشركات المراكز التجارية وشركات الضيافة العقارية، حيث إن لكل منها محركات مختلفة ولذلك نشاهد شركات تنمو بقوة مثل العقارية ودار الاركان بينما تتراجع أخرى بشكل حاد.
وأرجع السبب الخامس إلى ارتفاع قاعدة المقارنة في 2025، حيث إن بعض الشركات كانت قد حققت نتائج استثنائية في فترات سابقة نتيجة تخارجات أو مبيعات نوعية وبالتالي المقارنة السنوية تبدو قاسية.
ويتوقع الموسى أن تشهد المرحلة المقبلة 3 فئات واضحة بين شركات القطاع وهي شركات مرنة وقوية ماليا ستستفيد من إعادة ترتيب السوق خصوصا التي تملك مخزونا جيدا وتدفقات نقدية مستقرة ونموذج بيع واضحا، وشركات تعتمد على الزخم السعري أكثر من التشغيل الحقيقي وهذه قد تواجه ضغوطا أكبر، وشركات الدخل التشغيلي المتكرر مثل الأصول المدرة والمراكز التجارية وستكون أكثر استقرارا نسبيا، مضيفا أن القطاع بشكل عام يمر بمرحلة فرز ونضج وانتقال من سوق تكافئ السرعة إلى سوق تكافئ الكفاءة والانضباط التشغيلي وهي مرحلة صحية للقطاع على المديين المتوسط والطويل.
استدامة على المدى الطويل
من جانبه، قال الخبير والمسوق العقاري صقر الزهراني إن نتائج شركات القطاع العقاري خلال الربع الأول تؤكد أن السوق تمر بمرحلة إعادة توازن طبيعية بعد سنوات من النمو السريع والارتفاعات الكبيرة في الأسعار أكثر من كونها مرحلة تراجع مقلقة.
ورأى أن انخفاض أرباح شركات القطاع بنسبة 30 في المائة يعود لعوامل متداخلة عدة أبرزها ارتفاع المعروض العقاري وتراجع وتيرة المضاربات وارتفاع تكلفة التمويل إضافة إلى الإجراءات التنظيمية التي استهدفت رفع كفاءة السوق وتحقيق التوازن مثل تنظيم الإيجارات وتفعيل رسوم الأراضي البيضاء وزيادة المعروض في بعض المناطق الرئيسية، كما أن سلوك المستهلك تغير بشكل واضح حيث أصبح المشتري أكثر حذرا وانتقائية ويركز على جودة المنتج والموقع والخدمات والقيمة الفعلية وهو ما فرض ضغوطا على الشركات التي كانت تعتمد على التسعير المرتفع أو المبيعات السريعة.
واضاف الزهراني أن النتائج المالية لبعض الشركات الكبرى مثل العقارية ودار الاركان أظهرت أن المشروعات النوعية والدخل المتنوع والحوكمة الجيدة ما زالت قادرة على تحقيق نمو وربحية حتى في ظل ظروف السوق الحالية.
ويتوقع الزهراني أن تستمر ربحية شركات القطاع العقاري خلال الفترة المقبلة وسط حالة من التوازن والهدوء النسبي على المدى القصير مع بقاء الضغط على بعض هوامش الأرباح، لكن النظرة المتوسطة والطويلة للقطاع لا تزال إيجابية جدا بدعم المشروعات الكبرى وبرامج رؤية 2030 والنمو السكاني وفتح السوق أمام الاستثمارات الأجنبية إلى جانب استمرار الإنفاق الحكومي على البنية التحتية والتطوير العمراني، مضيفا أن السوق العقارية السعودية تنتقل تدريجيا من مرحلة النمو السريع إلى مرحلة النضج والاستدامة وهي مرحلة صحية ستعزز جودة المشروعات وترفع كفاءة السوق على المدى البعيد.





