تحول السيولة في السوق السعودية: الاستثمار المؤسسي يقود النمو

تحول السيولة في السوق السعودية: الاستثمار المؤسسي يقود النمو

تشهد السوق السعودية تحولا نوعيا في طبيعة السيولة، حيث يتراجع دور المضاربات قصيرة الاجل تدريجيا لصالح الاستثمار المؤسسي عبر الصناديق والمحافظ المدارة والصكوك، وبات النمو الاقتصادي في البلاد مدفوعا بعوامل هيكلية محلية تتجاوز دورات النفط، كما اصبحت قطاعات مثل التعليم والصناعة من ابرز الفرص الاستثمارية غير المستغلة بالكامل في السوق حاليا.

كشف احمد المحيسن، العضو المنتدب والرئيس التنفيذي لشركة اشمور للاستثمار في السعودية، في حديث خاص، ان المملكة اظهرت قدرا ملحوظا من المرونة في ظل بيئة اقتصادية عالمية تتسم بارتفاع اسعار الفائدة وعدم اليقين الجيوسياسي وتباطؤ النمو، مستندا الى المركز المالي القوي للمملكة واستمرار مسيرة الاصلاحات في اطار رؤية 2030.

واوضح ان ما يميز السوق السعودية اليوم هو ان النمو بات مدفوعا بشكل متزايد بعوامل هيكلية محلية، وليس فقط بدورات النفط، لافتا الى ان الاستثمارات الواسعة في قطاعات البنية التحتية والتطوير الصناعي والسياحة والتعليم والتكنولوجيا تخلق محركات متنوعة للنشاط الاقتصادي.

نمو سوق الصكوك السعودية

افاد المحيسن بان سوق الصكوك السعودية تشهد نضجا استثنائيا، مستشهدا بنمو اصدارات الصكوك بنسبة كبيرة، مع استمرار هذا الزخم.

وراى ان الصكوك باتت تمثل شريانا تمويليا مهما لمشاريع رؤية 2030 الكبرى، فضلا عن دورها في جذب المستثمرين الدوليين الباحثين عن التوازن بين الاستقرار والعائد، مدعومة بالتصنيف الائتماني القوي للمملكة وانضمامها الى مؤشرات اسواق الدين العالمية.

وفيما يخص مستويات السيولة، اكد المحيسن ان السوق السعودية لا تعاني غياب السيولة، بل تمر بمرحلة انتقائية في توجيهها نحو شركات وقطاعات محددة بناء على التقييمات ومستويات النمو المتوقعة، واستند الى بيانات اظهرت قيمة تداولات شهرية كبيرة وقيمة سوقية مرتفعة.

واشار الى ان اي وضوح اكبر بشان مسار خفض اسعار الفائدة قد يدعم عودة السيولة الى الاصول طويلة الاجل، عادا ان نمو الاصول المدارة وتوسع الصناديق وزيادة الاستثمار الاجنبي مؤشرات على نضج السوق.

تأثير اسعار الفائدة على الاستثمار

وصف المحيسن تاثير اسعار الفائدة المرتفعة على شهية المستثمرين من ثلاثة محاور، الاول رفع العائد المطلوب من الاصول الخطرة، اذ يصبح المستثمر اكثر انتقائية تجاه الاسهم والعقار والاستثمارات الخاصة حين تتوفر عوائد جيدة من الودائع وادوات الدخل الثابت، والثاني الضغط على مضاعفات تقييم الشركات ذات النمو المستقبلي البعيد او المديونية العالية، في مقابل ارتفاع جاذبية الشركات ذات التدفقات النقدية القوية والتوزيعات المستقرة.

اما المحور الثالث، فيتمثل في ارتفاع تكلفة التمويل على الشركات والمستهلكين، مع الاشارة الى ان التاثير يتباين حسب القطاع، فالبنوك قد تستفيد من ارتفاع الهوامش بينما تكون قطاعات العقار عالي المديونية الاكثر حساسية.

وكشف المحيسن عن ان ثمة فرصا استثمارية لا تزال غير مستغلة بالشكل الكافي في السوق السعودية، في مقدمتها الاستثمار الخاص في شركات السوق المتوسطة، وقال انه رغم توجه الاهتمام بشكل كبير نحو المشاريع العملاقة والعقارات الخاصة، تبقى امكانات الشركات النامية عالية الجودة غير مستثمرة بالكامل، لا سيما تلك التي يمكنها الاستفادة من راس المال المؤسسي والخبرة التشغيلية، واضاف ان فرصا جذابة تتوفر ايضا في منصات التعليم المتخصصة والخدمات الصناعية والبنية التحتية اللوجستية وخدمات الرعاية الصحية.

فرص التعليم والصناعة الواعدة

ابدى المحيسن تفاؤلا خاصا بقطاع التعليم، عادا اياه من اكثر الفرص الاستثمارية طويلة الاجل جاذبية في المملكة، مدعوما بالنمو الديموغرافي وارتفاع الطلب على التعليم عالي الجودة وتوافقه مع اهداف رؤية 2030، واشار الى ان صندوق اشمور للتعليم انجز صفقات عدة.

وعلى صعيد القطاع الصناعي، اكد انه يوفر امكانات كبيرة في ظل سعي المملكة الى توطين الانتاج وتعزيز سلاسل الامداد وتوسيع الصادرات غير النفطية، ويستهدف صندوقا اشمور للتعليم والصناعة مجتمعين حجما اجماليا كبيرا.

وقيم المحيسن مساهمة القطاع الخاص في مسيرة رؤية 2030 بايجابية، مشيرا الى ارتفاع مساهمته في الناتج المحلي، غير انه نبه الى ان المرحلة المقبلة تستلزم ان يتجاوز القطاع الخاص دور المستفيد من الانفاق الحكومي ليصبح قائدا فعليا للنمو عبر الاستثمار والانتاجية والابتكار وخلق الوظائف النوعية، وراى ان مديري الاستثمار والمستثمرين المؤسسيين امامهم دور يمتد الى ما هو ابعد من توفير راس المال، ليكونوا شركاء استراتيجيين في مسيرة التحول الاقتصادي للمملكة.