حاكم مصرف سوريا المركزي الجديد يواجه تحديات السيولة والتضخم

حاكم مصرف سوريا المركزي الجديد يواجه تحديات السيولة والتضخم

تسلم محمد صفوت رسلان مهام منصبه الجديد كحاكم لمصرف سوريا المركزي، وذلك عقب قرار الرئيس السوري احمد الشرع بتعيينه خلفا لعبد القادر الحصرية الذي عين سفيرا للبلاد لدى كندا.

وياتي هذا التغيير في قيادة الهرم النقدي السوري متزامنا مع تحديات اقتصادية كبيرة تواجهها الحكومة، والتي تسعى جاهدة لادارة ملفات اعادة الاعمار المعقدة وتثبيت دعائم الاقتصاد في مرحلة ما بعد الازمة.

ويواجه رسلان، الذي سبق له قيادة الصندوق السوري للتنمية، تركة مالية ثقيلة تشمل النظام المصرفي والضغوط التضخمية الحادة، بالاضافة الى وضع سوريا في منطقة رمادية رغم خروجها من العزلة الخارجية، ويتعين على الحاكم الجديد العمل على استعادة الثقة النقدية وفك اختناق السيولة ووقف التضخم وانخفاض قيمة الليرة السورية، فضلا عن العودة الى النظام المالي العالمي لجذب الاستثمارات الاجنبية والعربية ورؤوس الاموال السورية المهاجرة.

وقال المستشار الاقتصادي زياد عربش ان الحاكم الجديد يواجه حزمة متداخلة من التحديات، تشمل استكمال عملية تبديل العملة وفك حبس السيولة واعادة ربط النظام المصرفي السوري بالمنظومة المالية العالمية، وبناء ادوات حديثة للتحويل والاستثمار والرقمنة.

واضاف عربش ان هذه الملفات تكتسب اهمية مضاعفة، لان مصرف سوريا المركزي اعلن خلال العام الحالي استراتيجية 2026-2030 التي تركز على الاستقرار النقدي وتطوير سوق الصرف وتوسيع الدفع الرقمي والاندماج التدريجي مع النظام المالي العالمي.

تبديل العملة وفك حبس السيولة

ويرث رسلان مشروع اصلاح العملة الذي اشرف عليه سلفه عبد القادر الحصرية مطلع العام الحالي، والذي قضى بحذف صفرين من الاوراق النقدية السورية واستبدال العملات التي كانت تحمل صور بشار الاسد وعائلته، ورغم ان هذا الاجراء الفني استهدف تسهيل المعاملات التجارية اليومية واستعادة جزء من الثقة المفقودة في الليرة السورية، فان التحدي الحقيقي والراهن امام الادارة الجديدة يكمن في حماية القوة الشرائية للعملة الجديدة ومنع اي تدهور اضافي في سعر الصرف.

وتمثل عملية استكمال تبديل العملة وفك حبس السيولة اختبارا عمليا للثقة بالمؤسسة النقدية، لانها لا تقتصر على استبدال اوراق نقدية، بل تتطلب اصلاحا نقديا ومصرفيا شاملا، بما في ذلك ادارة للتدفقات والكتلة النقدية المتداولة وسلوك الاسواق، كما ان نجاحها يرتبط بقدرة المصرف على منع الارتباك النقدي والحد من الاكتناز ومكافحة التضخم وتدهور قيمة الليرة وتسهيل انتقال الاسعار والعقود الى الصيغة الجديدة من دون صدمات اضافية، لذلك فان فك حبس السيولة يحتاج الى توسيع القنوات المصرفية لا الى اجراءات نقدية شكلية فقط.

اعادة الاندماج المالي الخارجي

على الرغم من رفع الجزء الاكبر من العقوبات الغربية المفروضة على البلاد عقب التغيير السياسي، لا تزال المصارف السورية تعيش انقطاعا شبه كامل عن المنظومة المالية الدولية، وبهذا الخصوص يرى عربش ان العقبة الكبرى امام اعادة الاندماج الخارجي تكمن في انكفاء الشبكات المالية العالمية عن السوق المحلية وتراجع علاقات المراسلة المصرفية التي تعد الركيزة الاساسية للتجارة والتحويلات وتمويل الاستيراد.

واوضح عربش وجود مؤشرات اولية لانفتاح تدريجي، ابرزها المشاورات الجارية لابرام اتفاقيات حسابات مراسلة مع تركيا والعودة التجريبية لبوابات الدفع الدولية مثل فيزا وماستركارد، ما من شانه تقليص الاعتماد على السيولة النقدية واستعادة الثقة تدريجيا، لافتا الى ضرورة ادارة هذا المسار بحذر شديد عبر تعزيز الامتثال والحوكمة والشفافية تفاديا لتحول هذا الانفتاح الى مصدر مخاطر جديدة.

التحالفات والاستثمارات

اوضح عربش ان المرحلة المقبلة تتطلب شراكات مالية استراتيجية مع مصارف من دول الخليج العربي واوروبا، ليس فقط على شكل مراسلين مصرفيين، بل عبر محافظ استثمارية مشتركة وصناديق تمويل وتموضع في قطاعات الانتاج والبنية التحتية والتحول الرقمي.

وبين عربش ان توسيع التحويلات منخفضة التكلفة والمنتجات المالية العابرة للحدود قد يفتح قناة مهمة للمدخرات والتمويل الخاص.

الاصلاح المؤسسي والرقمنة

اشار عربش الى انه لا يمكن لاي اصلاح نقدي ان ينجح من دون اصلاح مصرفي وهيكلي مواز، لان جزءا كبيرا من الموارد البشرية في القطاعين العام والخاص بات غير مهيا لادوات العمل الحديثة، ما يجعل مسالة التاهيل والتجديد المؤسسي اولوية لا تقل عن السياسة النقدية نفسها.

واكد عربش ان الرقمنة وسلامة القطاع المالي والبنية التحتية للدفع الالكتروني والاندماج العالمي التدريجي كلها ركائز اساسية للفترة من 2026 الى 2030، ولذلك تبدو ادوات الذكاء الاصطناعي والتحليل الائتماني والتدقيق الرقمي وانظمة الامتثال الالي ليست ترفا تقنيا، بل هي شرط عملي لتجاوز التخلف المؤسساتي.

اولوية المرحلة

يرى عربش ان حاكمية المصرف الجديدة تحتاج الى مقاربة مزدوجة: تثبيت نقدي سريع يمنع الفوضى واصلاح مؤسسي عميق يعيد بناء الثقة بالقطاع المصرفي.

واضاف عربش ان اي تاخير في الاصلاحات المصرفية والنقدية سيجعل فرص جذب التحويلات والمدخرات والاستثمارات اقل، بينما الاسراع في الرقمنة والشفافية واعادة الاتصال المالي الخارجي قد يحولان الازمة الى نافذة تعاف تدريجي.

وتواجه القيادة المالية الجديدة تحديات اخرى، منها مسالة ابتكار ادوات تمويلية لتوفير السيولة اللازمة لمشاريع اعادة اعمار البنية التحتية.

وياتي تعيين رسلان في وقت تلقي فيه الازمة الانسانية بظلالها الثقيلة على قرارات المصرف المركزي، اذ تواجه البلاد حالة طوارئ تتعلق بالامن الغذائي، مع وقوع اكثر من 25 في المائة من السكان في شبكة خطر الجوع، الامر الذي يضع الحاكم الجديد امام ضغط توفير النقد الاجنبي اللازم لتمويل استيراد السلع الغذائية الاساسية بشكل مستدام وباقل التكاليف الممكنة.

ويرى مراقبون ان مفتاح الحل لمعظم الازمات الهيكلية الراهنة يتمثل في مدى نجاح الحاكم الجديد في بناء نموذج تكاملي وشراكة حقيقية بين الدولة والمصارف الخاصة، وتتجه الانظار نحو قدرة رسلان مستفيدا من خلفيته السابقة في ادارة الصناديق التنموية على استقطاب وتوطين الخبرات المصرفية والمالية السورية المهاجرة في الخارج وتحفيز رؤوس الاموال الوطنية للمساهمة في مرحلة الانتعاش الاقتصادي الصعبة.