خطر الاستعانة بمؤثري السوشال ميديا لإدارة وعي الناس

خطر الاستعانة بمؤثري السوشال ميديا لإدارة وعي الناس

حين تصبح الدولة بحاجة إلى "مؤثري السوشال ميديا” للدفاع عنها والرد على الشائعات، فهذه ليست علامة قوة إعلامية، بل مؤشر خطير على أزمة ثقة عميقة بين المواطن والمؤسسات الرسمية. فالدول القوية لا تبني مصداقيتها عبر مشاهير التيك توك والإنستغرام، بل عبر الشفافية، والمعلومة الدقيقة، والإعلام المهني، واحترام عقل الناس.

الاستعانة بالمؤثرين للرد على الشائعات تبدو ظاهريًا خطوة عصرية تواكب وسائل التواصل، لكنها في الحقيقة تفتح الباب أمام تحويل القضايا الوطنية إلى مادة دعائية سطحية تُدار بعقلية "الترند” والإعجابات والمشاهدات. فالمؤثر بطبيعته يبحث عن الانتشار، لا عن الحقيقة، وعن التفاعل لا عن المهنية، وعن بناء صورته الشخصية قبل أي شيء آخر. وعندما يُزج به في ملفات حساسة تتعلق بالرأي العام، تصبح المصلحة الوطنية رهينة لمنطق الاستعراض الرقمي.

الأخطر من ذلك أن هذه الخطوة تساهم في تآكل ما تبقى من الثقة بالإعلام الرسمي والمؤسسات المختصة. فإذا كانت الحكومة تمتلك الحقائق والبيانات، فلماذا لا تخاطب الناس مباشرة؟ ولماذا تحتاج إلى وسطاء من مشاهير الإنترنت؟ المواطن اليوم لا يريد "مؤثرًا” يقنعه، بل يريد مسؤولًا يشرح ويصارح ويحاسَب إذا أخطأ. أما تحويل المؤثرين إلى أبواق غير رسمية، فهو يخلط بين الإعلام والدعاية، وبين النقاش الوطني والتسويق الإلكتروني.

ثم إن كثيرًا من المؤثرين لا يملكون التأهيل السياسي أو الفكري أو الإعلامي للتعامل مع قضايا معقدة تمس المجتمع والدولة. بعضهم بالكاد يقدّم محتوى ترفيهيًا أو استهلاكيًا، وفجأة يُطلب منه تشكيل وعي الناس والرد على الشائعات! هذا يسيء لفكرة الوعي العام نفسها، ويعطي انطباعًا بأن إدارة الرأي العام أصبحت قائمة على "المشاهدات” بدل الكفاءة والخبرة والمصداقية.

كما أن هذه السياسة قد تنقلب على أصحابها بسرعة. فالمؤثر الذي يُستخدم اليوم للدفاع عن جهة ما، قد يتحول غدًا إلى مهاجم لها إذا تبدلت المصالح أو انخفض الدعم أو تغيّر المزاج العام. الولاء في عالم السوشال ميديا هش وسريع التبدل، لأنه قائم على الشعبية لا على المبادئ. والدولة التي تربط خطابها العام بهذا النوع من الأدوات، تعرض هيبتها ومصداقيتها لتقلبات عالم افتراضي لا يعرف الثبات.

محاربة الشائعات لا تتم عبر صناعة شائعات مضادة أكثر أناقة، ولا عبر تجنيد مؤثرين لتلميع الصورة، بل عبر بناء ثقة حقيقية مع الناس. الثقة تُبنى عندما يشعر المواطن أن الحقيقة لا تُخفى عنه، وأن المؤسسات تحترم وعيه، وأن الإعلام حر وقادر على طرح الأسئلة لا مجرد ترديد الرواية الرسمية.

في النهاية، أخطر ما في هذه الظاهرة أنها تعكس انتقال الدولة من مخاطبة العقول إلى محاولة إدارة الانطباعات. وبين الأمرين فرق هائل. فالعقول تُقنع بالحقائق، أما الانطباعات فتُدار بالمؤثرات… وما يُبنى على المؤثرات ينهار