اضطر المزارع المصري اشرف ابو رجب الى تقليص المساحة المزروعة من ارضه الى النصف نتيجة ارتفاع اسعار الاسمدة والطاقة الناجم عن الحرب في الشرق الاوسط، لتتفاقم معاناة صغار المزارعين الذين يواجهون اصلا ازمة اقتصادية خانقة.
وقال ابو رجب (45 عاما) لوكالة فرانس برس واقفا بين شتول الذرة والسمسم في حقله بقرية نزلة الشوبك على بعد قرابة 50 كيلومترا الى الجنوب من القاهرة: "زاد سعر كل شيء، الاسمدة والتقاوي والمبيدات، ولم تعد المحاصيل تغطي تكاليفها".
وقبل الحرب، كان ابو رجب يزرع فدانا كاملا بمساعدة ثلاثة فلاحين اخرين، ولكنه اليوم يزرع نصف فدان بمفرده، اذ "لم يعد بامكاني تحمل الاجور"، كما اضطر للتخلي عن زراعة القمح الذي يستهلك كمية كبيرة من الاسمدة.
ويعاني ابو رجب، مثل الالاف من صغار المزارعين، من ارتفاع تكاليف الزراعة من الاسمدة والطاقة حتى البذور والاعلاف، فيما تترك الحرب بين الولايات المتحدة واسرائيل من جهة وايران من جهة اخرى تاثيرا سلبيا بالغا على الاسواق العالمية.
وفي نزلة الشوبك، يتم تعطيل مضخات الري لساعات لتوفير الوقود، وترزح بعض الحقول الجرداء تحت الشمس، فيما فضل الكثير من الفلاحين زراعة العلف بين الخضراوات للاستفادة من التمديدات في مكان واحد.
وعلى اطراف الحقول، يمكن رؤية تلال من البطاطا، وقد حملت بعضها على شاحنات، غير ان ابو رجب، على غرار كثيرين، لم يبع محصوله بعد، "لان سعرها لم يغط التكلفة"، وبالتالي، تحول سوق المحاصيل الى مقامرة ينتظر فيها صغار المزارعين ارتفاع اسعار المحاصيل.
وعلى بعد خطوات، زرع محمد رجب (40 عاما) الارض التي يستاجرها قمحا، ووقف يراقب الة الدراس وهي تجمع السنابل، متسائلا ان كان سيجلب ربحا.
وقال رجب لفرانس برس: "خسرت نصف ما استثمرته العام الماضي"، مؤكدا ان "المزارعين ومستاجري الاراضي هم اكثر من يتعرضون للظلم".
"خيارات صعبة"
وأدت اضطرابات الملاحة عبر مضيق هرمز، وهو شريان حيوي للتجارة العالمية، الى نقص في امدادات الطاقة والاسمدة، وكان يمر عبر المضيق قبل الحرب، ثلث الاسمدة المتداولة وخمس الغاز الطبيعي المسال و35% من النفط الخام العالمي.
ويؤثر ارتفاع اسعار الوقود على القطاع الزراعي بشكل مباشر، بدءا من عملية انتاج الاسمدة والري وصولا الى النقل.
وقال ماكسيمو توريرو، كبير الاقتصاديين في منظمة الامم المتحدة للاغذية والزراعة (فاو) لفرانس برس: "سيضطر المزارعون الى اتخاذ خيارات صعبة كتقليل استخدام المواد المستخدمة في الزراعة او تغيير المحاصيل او خفض الري، وكل ذلك يقلل من الانتاجية".
ورغم ان مصر تنتج ما بين 7 و8 ملايين طن من الاسمدة النيتروجينية سنويا، وتصدر اكثر من نصفها، تحيط المخاطر بعملية الانتاج، لانها تعتمد على الغاز الطبيعي المسال الذي تستورده.
وارتفعت اسعار الوقود بنسبة تصل الى 30% في اذار مع بداية الحرب.
وارتفع سعر اليوريا الحبيبية، وهو نوع من الاسمدة النيتروجينية، الى ما بين 700 و750 دولارا للطن، بعد ان كان قرابة 400 دولار قبل الحرب، بحسب ما افاد رئيس غرفة الصناعات الكيماوية شريف الجبالي وكالة فرانس برس.
"الاكثر تضررا"
وتقدم الدولة اسمدة مدعومة للذين يحملون صفة "مزارع" بشكل رسمي، وهم اجمالا مالكو الاراضي، فيما لا يمكن للمزارعين الذين يستاجرون ارضا زراعية الحصول عليها، فيضطرون لشراء الاسمدة من السوق المفتوحة باسعار باهظة.
وبحسب رجب، قفز سعر جوال الاسمدة زنة 50 كيلوغراما "من 700 جنيه (13 دولارا) قبل الحرب الى 1200 (قرابة 23 دولارا) جنيه هذا الموسم".
وقال: "نحن نقترض لنتمكن فقط من بدء العمل ونسدد الدين حين نبيع المحصول".
وفي متجر صغير في نزلة الشوبك يبيع تاجر الاسمدة والمواد الكيماوية، ولتخفيف الضغط، يشتري مواد مدعومة ويعيد بيعها باقل من سعر السوق.
ويروي لوكالة فرانس برس ان حاملي صفة "مزارع" "يحصلون على الاسمدة بـ 250 جنيها ويبيعونه لي بـ700 وابيعه انا لصغار المزارعين بـ 800 جنيه"، وهو اقل من سعر السوق الحرة.
وفي المقابل، تحقق شركات انتاج الاسمدة ارباحا كبيرة، واعلنت شركة ابو قير للاسمدة، احدى اكبر شركات انتاج النيتروجين في مصر، ان ارباحها غير المدققة للربع الاول من العام الجاري تضاعفت اكثر من مرتين.
موسم صعب
ويتوقع نقيب الفلاحين حسين ابو صدام انخفاض انتاج المحاصيل التي تستخدم الاسمدة بكثافة، كالقمح والذرة والارز، في حال استمرار ارتفاع التكاليف، محذرا من "موسم صعب للغاية".
ويشكل القمح نحو ثلث الاراضي المزروعة في مصر، ما يهدد امدادات الغذاء في حال تراجع زراعته.
كما تستورد مصر ما بين 12 و14 مليون طن من القمح سنويا، وتدعم الحكومة الخبز.
وقال ابو صدام: "ان ارتفعت الاسعار اكثر من ذلك، لن يتمكن المزارعون من الاستمرار او سيعانون من الخسارة".
وبحسب توريو، حتى لو اعيد فتح مضيق هرمز غدا، ستحتاج الاسواق "بين ستة وثمانية اشهر للتعافي".
واضاف انه اذا استمرت الاضطرابات "فقد نواجه وضعا مشابها لجائحة كوفيد-19 بحلول نهاية هذا العام او العام المقبل".





