تكتظ واجهات المتاجر في طهران بالسلع، لكن الزبائن يشتكون من تقلبات الأسعار المتسارعة، حيث أصبحت البضائع المستوردة سلعا فاخرة مرتبطة بتسعيرة الدولار في السوق السوداء، وذلك بعد مرور أكثر من شهر على الحصار البحري الامريكي للموانئ الإيرانية.
وقف مينا، وهي أم لطفلين، أمام واجهة معرض للأثاث المنزلي في شارع فردوس غربي طهران، تتأمل الأسعار بعد مسح أرقام الماركات المستوردة، فسألت صاحب المحل عن السبب.
أجاب يوسف، صاحب المحل، أن كل قطع الأثاث تسعر الآن على أساس سعر الدولار الأمريكي في السوق الحرة.
وبينما بدت المحال التجارية المجاورة شبه خالية من الزبائن، تابع يوسف قائلا: "قبل نحو شهرين كانت السوق راكدة والأسعار تراجعت قليلا بسبب الحرب، لكن بعد الحصار البحري تضاعفت الأسعار، ولا توجد حركة شرائية، فالزبون لم يعد يأتي حتى للاستفسار، لأن الجميع يدرك أن شراء السلع المستوردة أصبح حلما بعيد المنال".
وأعربت مينا عن ندمها لعدم شرائها مكيفا في بداية العام، مبررة ذلك بتأجيلها الأمر بسبب الاحتجاجات الشعبية، ثم الحرب التي دمرت منازل عدد من جيرانها.
وأضافت مينا أن قدرتها الشرائية تدهورت مقارنة بالأشهر القليلة الماضية، مشيرة إلى أن الأسواق ما تزال مليئة بالسلع من مختلف الماركات المحلية والأجنبية، لكن الأسعار لم تعد كما كانت.
ولم يقتصر هذا المشهد على سوق البضائع المستوردة، فسلمان، وهو عامل يومي في أحد المطاعم الشعبية، يروي القصة ذاتها بنبرة أكثر تشاؤما.
قال سلمان: "تفاجأت بمضاعفة سعر الخبز التقليدي (سنكك) منذ مطلع الأسبوع الجاري".
وأضاف سلمان أن مخابز القطاع العام بدأت تتذرع بإضافة السمسم أو ألياف الخضار المجففة لبيع منتجاتها بأسعار أعلى.
رفوف البقالة
من جانبه، أوضح أحد العاملين في مخبز خاص أنه يشتري الدقيق بأسعار حرة تختلف عن سعر الدقيق المدعوم حكوميا.
وأضاف العامل: "أجبرنا على رفع سعر الخبز لتعويض الخسائر ليس إلا".
وخلال جولة لمراسل الجزيرة نت على عدد من متاجر السلع الأساسية في مناطق مختلفة من طهران، تبين أن أسعار الأرز من الدرجة الأولى ارتفعت بأكثر من 200%، والزيوت بنحو 300%، وتضاعفت أسعار الدواجن، بينما لم تتأثر أسعار الأسماك حتى الآن.
وقال برديا، صاحب بقالة في حي حمزة آباد جنوبي طهران، إن أسعار العديد من السلع مثل المعكرونة والألبان والبقوليات والمعلبات ما تزال مناسبة، لكنها ارتفعت بما يتناسب مع التضخم السنوي ورفع أجور العمال والموظفين.
حراك رسمي
في خضم هذه الأرقام، عقد البرلمان الإيراني جلسة بحضور وزير الجهاد الزراعي غلام نوري قزلجه لبحث سبل مواجهة موجات الغلاء.
وفي السياق، نقلت الصحافة الفارسية عن علي رضا سليمي، عضو هيئة الرئاسة في البرلمان، قوله إن "جزءا من الغلاء سببه الحرب، أما القسم الأكبر فلا مبرر له على الإطلاق"، متهما جهات داخلية باستغلال الظروف لتحقيق أرباح فاحشة.
وشدد سليمي على عزم البرلمان عقد اجتماعات عاجلة مع الفريق الاقتصادي الحكومي لمحاسبة المسؤولين عن تفشي الغلاء.
قطاعات متضررة
من جانبها، قدمت نازنين جورجي، الناشطة الاقتصادية وعضو غرفة إيران للتجارة والصناعة، تفسيرا لتداعيات الحصار البحري على أسعار السلع المستوردة، قائلة إن "الموجة التي نعيشها ليست مجرد ارتفاع في أسعار الصرف، بل هي هندسة جديدة للتكلفة فرضها الحصار البحري".
وأضافت جورجي أن إغلاق الممرات المائية ضاعف كلفة وصول البضائع بسبب ارتفاع أجور النقل، وارتفاع أسعار التأمين، وارتفاع سعر الصرف في إيران.
وفي حديثها للجزيرة نت، أشارت جورجي إلى أن أي نقص في المعروض من السلع المستوردة يدفع الأسعار تلقائيا نحو الارتفاع، موضحة أن الحصار جعل الندرة واقعا يوميا.
وردا على سؤال بشأن ارتفاع أسعار المنتجات المحلية، كشفت جورجي عن تضرر قطاعي البتروكيماويات والصلب جراء الحرب، ما أثر على مصانع البلاستيك والحديد وكل ما حولها.
وأوضحت جورجي أن تجار الجملة وأصحاب المستودعات يسعرون البضائع على أساس سعر الدولار في السوق الحرة، وكلما ارتفع الدولار، أعادوا تسعير المخزون، ليصبح الحصار محركا مزدوجا يقلص التدفق من الخارج ويضاعف الأسعار في الداخل، ويتحول المواطن إلى ضحية "حصار البحر وحصار الدولار".
أغنياء فقراء
من جهته، اعتبر أستاذ الاقتصاد بجامعة طهران آلبرت بغزيان أن وجود السلع في واجهات المتاجر ليس مؤشرا على القدرة الشرائية في ظل غياب الزبائن، بل يعكس حقيقة أن الناس لم يعودوا قادرين على شراء احتياجاتهم الأساسية.
وأكد بغزيان أن "المنطق القائل إن السوق مليئة بالسلع، إذن الأوضاع بخير، هو إهانة لذكاء الناس الذين يفهمون الواقع جيدا، لكنهم باتوا مرهقين في تدبير لقمة العيش".
وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن شريحة واسعة من الإيرانيين أصبحت "مليارديرات على الورق" نتيجة قفزة الأسعار السوقية لممتلكاتهم، لكنها في الوقت نفسه عاجزة عن تأمين أبسط متطلبات الحياة بسبب التضخم، فأصبحوا "أغنياء فقراء".
كما أشار إلى حدوث تحول نوعي في طبيعة التضخم الإيراني بعد الحصار البحري الأمريكي، حيث أصبحت الأسعار تقفز بوتيرة سريعة بسبب تعطل بنية الاستيراد نفسها.
ووجه بغزيان انتقادات للحكومة بسبب غياب إرادة حقيقية لضبط الأسواق، مطالبا بتدخل استثنائي على غرار ما يحدث في دول الحروب، وعدم ترك الناس تحت رحمة المحتكرين والمضاربين بحجة اقتصاد السوق.





