يشهد السودان وإثيوبيا تصعيدا غير مسبوق في العلاقات بينهما، وذلك بعد تبادل الاتهامات السياسية والعسكرية حول دعم جماعات مسلحة وشن هجمات بطائرات مسيرة، وسط تحركات عسكرية على الحدود المشتركة، مما يزيد المخاوف من انزلاق الأزمة إلى مواجهة إقليمية مفتوحة.
وياتي هذا التوتر في وقت يمر فيه السودان بظروف داخلية شديدة التعقيد بسبب الحرب المستمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، الامر الذي يثير تساؤلات حول قدرة الخرطوم على التعامل مع أزمة خارجية جديدة، وما إذا كانت الاتهامات المتبادلة ستظل ضمن إطار التصعيد السياسي والأمني، ام انها قد تتطور إلى صدام عسكري مباشر بين البلدين.
وتتجه الانظار إلى ما توقعه الدبلوماسي الاميركي السابق والخبير في شؤون السودان والقرن الافريقي كاميرون هدسون، بشان تدهور العلاقات الدبلوماسية بين السودان وإثيوبيا، وحشد الخرطوم لقوات عسكرية قرب الحدود المشتركة، وذلك بعد ايام من اتهام الجيش السوداني لاديس ابابا بالضلوع في اعمال عدائية استهدفت السودان، والسماح باستخدام قاعدة بحر دار الاثيوبية منصة لانطلاق طائرات مسيرة تابعة لقوات الدعم السريع.
وقال هدسون في تدوينة نشرها عبر منصة إكس، إن السودان قطع علاقاته الدبلوماسية مع إثيوبيا، وحشد قوات جديدة على الحدود، معربا عن قلقه من تداعيات التوتر التاريخي بين البلدين واحتمالات تحوله إلى مواجهة اوسع، في وقت يعيش فيه السودان اوضاعا شديدة الحساسية بسبب الحرب الداخلية المستمرة منذ عام 2023، ورغم عدم صدور اعلان رسمي سوداني يؤكد قطع العلاقات الدبلوماسية بشكل كامل، فان الحكومة السودانية استدعت سفيرها لدى إثيوبيا، عقب اتهام الجيش السوداني لاديس ابابا ودولة الامارات العربية المتحدة بالتورط في هجمات بطائرات مسيرة استهدفت مطار الخرطوم ومواقع اخرى.
وكان الجيش السوداني قد اعلن الاسبوع الماضي، ان الهجمات الاخيرة انطلقت من مطار بحر دار الاثيوبي، وهو ما نفته اديس ابابا بشكل قاطع، ووصفت الاتهامات بانها لا تستند إلى اي اساس.
وجاءت هذه التطورات بعد اشهر من تقرير استقصائي نشرته وكالة رويترز، تحدث عن وجود معسكر سري داخل إثيوبيا لتدريب الاف المقاتلين التابعين لقوات الدعم السريع في إقليم بني شنقول المحاذي للسودان، استنادا إلى مصادر ميدانية وصور اقمار اصطناعية.
كما اشار التقرير إلى ان هذا المعسكر يمثل مؤشرا على اتساع نطاق الحرب السودانية إقليميا، بينما لم تصدر إثيوبيا تعليقا رسميا على تلك المعلومات، وفي السياق نفسه، تحدث تقرير صادر عن مختبر البحوث الانسانية التابع لجامعة ييل عن رصد مؤشرات على وجود دعم عسكري إثيوبي لقوات الدعم السريع في قاعدة بمدينة أسوسا خلال شهر ابريل الماضي.
وفي المقابل ردت إثيوبيا باتهامات مضادة، إذ اعلنت وزارة خارجيتها ان السودان يدعم جماعات معادية في إقليم تيغراي، وينتهك سلامة الاراضي الاثيوبية، كما اتهمت الخرطوم باستخدام عناصر من متمردي تيغراي في الحرب ضد قوات الدعم السريع، مشيرة إلى انها تجنبت سابقا اعلان هذه الاتهامات حفاظا على العلاقات الثنائية.
تاريخ من الاتهامات
ويستند التصعيد الحالي إلى تاريخ طويل من الشكوك والصراعات غير المعلنة بين البلدين، فقد استضافت إثيوبيا خلال مراحل مختلفة قوى معارضة سودانية، كما لعبت ادوارا سياسية في الوساطة بين الفرقاء السودانيين، خصوصا مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، وعقب اندلاع الحرب السودانية الحالية، استضافت اديس ابابا قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو، كما احتضنت اجتماعات لقوى مدنية سودانية معارضة، من بينها تحالف تقدم بقيادة رئيس الوزراء السوداني السابق عبد الله حمدوك.
وفي المقابل لعب السودان ايضا ادوارا مؤثرة في الصراعات الداخلية الاثيوبية خلال العقود الماضية، فقد كشف الزعيم الاسلامي السوداني الراحل حسن الترابي في مقابلات اعلامية عن ان الثوار الاثيوبيين دخلوا اديس ابابا بدبابات سودانية يقودها إثيوبيون، بينما اكد مستشار الامن القومي السوداني الاسبق الفريق طيار الفاتح عروة انه قاد الطائرة التي اقلت الرئيس الاثيوبي الاسبق ملس زيناوي من الخرطوم إلى اديس ابابا عام 1991 بعد سقوط نظام منغستو هيلا مريام.
غير ان العلاقات بين البلدين دخلت لاحقا مرحلة توتر حاد عقب محاولة اغتيال الرئيس المصري الاسبق حسني مبارك في اديس ابابا عام 1995 في اثناء مشاركته في قمة منظمة الوحدة الافريقية، حيث اتهمت إثيوبيا ومصر نظام الرئيس السوداني السابق عمر البشير والجبهة الاسلامية القومية بالتورط في العملية، وهو ما نفته الخرطوم انذاك، كما بقي النزاع الحدودي في منطقة الفشقة شرقي السودان احد ابرز اسباب التوتر المستمر بين البلدين، خاصة بعد ان اعاد الجيش السوداني انتشاره في المنطقة نهاية عام 2020، مستعيدا اراضي كانت تسيطر عليها مجموعات إثيوبية لسنوات، بينما اعتبرت اديس ابابا الخطوة استغلالا لانشغالها بالحرب في إقليم تيغراي.
مناوشات ام حرب؟
وفي ظل التصعيد الحالي يبرز سؤال اساسي حول امكانية تحول هذه الاتهامات المتبادلة إلى حرب مباشرة بين البلدين، ويرى خبراء عسكريون ان احتمالات اندلاع حرب شاملة لا تزال محدودة، نظرا للكلفة السياسية والعسكرية والاقتصادية الباهظة على الطرفين، خصوصا ان الجيش السوداني يخوض بالفعل حربا واسعة ضد قوات الدعم السريع منذ ابريل عام 2023، في وقت تواجه فيه إثيوبيا اضطرابات داخلية وتحديات امنية معقدة في عدة اقاليم.
وقال الخبير العسكري والعميد المتقاعد في الجيش السوداني الدكتور جمال الشهيد، ان التصعيد بين السودان وإثيوبيا تجاوز مرحلة الخلافات الدبلوماسية التقليدية، ودخل مرحلة تبادل الرسائل الاستراتيجية والضغوط الامنية، لكنه استبعد وصول الامور إلى مواجهة عسكرية شاملة في الوقت الحالي، واوضح ان التوتر قد يقود إلى مناوشات حدودية محدودة، خاصة في ظل الملفات العالقة المتعلقة بمنطقة الفشقة وسد النهضة وتبادل الاتهامات بدعم جماعات مسلحة، مشيرا إلى ان السودان يركز حاليا على حسم معركته الداخلية واستعادة الاستقرار الوطني، ما يجعل خيار الحرب الخارجية مكلفا للغاية.
وفي المقابل راى المقدم الطيار المتقاعد الطيب المالكابي ان التصعيد الحالي يتجاوز مجرد الخطاب السياسي، وقد يكون مؤشرا على اقتراب مواجهة إقليمية، لكنه استبعد وجود استعداد عسكري فعلي لدى الجيش السوداني لخوض حرب مفتوحة مع إثيوبيا، معتبرا ان الحديث عن التهديد الخارجي قد يكون ايضا محاولة لتخفيف الضغوط الناتجة عن تعقيدات الحرب الداخلية.
وبين التصعيد الدبلوماسي والتحركات العسكرية وتاريخ الصراعات الحدودية والتدخلات المتبادلة، تبدو العلاقات بين السودان وإثيوبيا امام اختبار بالغ الخطورة، في منطقة تعاني اصلا من هشاشة امنية مزمنة وصراعات متشابكة، ما يجعل اي انزلاق نحو مواجهة مباشرة تهديدا اضافيا لاستقرار القرن الافريقي باكمله.





