في ظل تزايد التحديات الصحية المرتبطة بالتغيرات البيئية وأنماط الحياة، يبرز الربو كأحد أكثر الأمراض المزمنة انتشارًا بين الأطفال في الأردن، متجاوزًا كونه حالة تنفسية عابرة ليشكل مؤشرًا على عبء صحي متنامٍ يتداخل فيه العامل البيئي بالوراثي.
وبين ارتفاع معدلات الإصابة وتفاوت المؤشرات بين الفئات العمرية، تتصاعد المخاوف من اتساع نطاق المرض، خاصة في المدن الكبرى، ما يضع النظام الصحي أمام تحديات تتعلق بالكشف المبكر والسيطرة على المضاعفات وتحسين جودة الحياة.
ويُعدّ الربو من أكثر الأمراض المزمنة شيوعًا بين الأطفال في الأردن حسب ما أظهرته أرقام صدرت حديثا عن وزارة الصحة حول «واقع الحال للأمراض التنفسية» وسط مؤشرات تُظهر تباينًا في معدلات انتشاره. وتشير الأرقام الصادرة عن الوزارة إلى أن المعدل الحالي لانتشار الأزيز (صفير حاد أثناء التنفس من أعراض الربو) والربو يبلغ نحو 17% و10% لدى الأطفال من عمر 6–7 سنوات، مقابل 12.3% و7.6% لدى الفئة العمرية 13–14 عامًا، فيما يُقدَّر المتوسط العام للفئة 6–18 عامًا بنحو 14.8% و5.9% على التوالي. وبينت الأرقام أن نسبة انتشار الربو بين طلاب المدارس الابتدائية تقدر بنحو 2.38%. وتُظهر البيانات أن الذكور أكثر عرضة للإصابة مقارنة بالإناث، فيما يظل الأزيز من الأعراض الأكثر شيوعًا لدى مختلف الفئات العمرية. وتتعدد العوامل المرتبطة بأمراض الجهاز التنفسي المزمنة، وفي مقدمتها التدخين النشط والسلبي، وتلوث الهواء، إضافة إلى التعرض المهني للغبار والمواد الكيميائية. ويرتبط الربو بمزيج من العوامل الوراثية والبيئية، تشمل التعرض المبكر لدخان التبغ، وتلوث الهواء الداخلي والخارجي، ومسببات الحساسية مثل الغبار والعفن، فضلًا عن السمنة وبعض العوامل المهنية. وتشير تقديرات صحية إلى أن تداخل هذه العوامل في البيئة الأردنية قد يضاعف من حدة تأثيرها مقارنة بمناطق أخرى.
ورغم اتساع نطاق المشكلة، تُشير الوزارة إلى وجود نقص في البيانات الدقيقة ضمن نظام المعلومات الصحي الوطني بشأن معدلات انتشار الربو ومرض الانسداد الرئوي المزمن، إلى جانب محدودية تسجيل استخدام العلاجات مثل البخاخات وعدد المرضى الفعليين.
كما تعاني المنظومة من قلة الدراسات الوطنية المتخصصة، ما ينعكس على قدرة صناع القرار في صياغة سياسات صحية دقيقة ومبنية على بيانات شاملة حسب الوزارة. وتؤكد التقارير الطبية أن الربو غير المسيطر عليه يؤدي إلى تراجع جودة الحياة، وزيادة مراجعات الطوارئ، وارتفاع معدلات المضاعفات، إضافة إلى أعباء اقتصادية مباشرة وغير مباشرة على النظام الصحي.
كما أظهرت أرقام حديثة أن الربو ومرض الانسداد الرئوي المزمن يشكلان الأسباب الرئيسة لحالات توسع القصبات غير المرتبطة بالتليف الكيسي في الأردن، ما يعكس خصوصية العبء الصحي محليًا.
في المقابل، تعمل الوزارة على تطوير برامج وطنية لمكافحة الأمراض المزمنة غير السارية، من خلال تعزيز خدمات الرعاية الصحية الأولية، وتحسين التشخيص المبكر، ورفع كفاءة الاستجابة العلاجية، ضمن مقاربة شاملة للحد من المضاعفات.
ويؤكد مختصون أن مواجهة هذا العبء تتطلب أيضًا تعزيز التوعية الصحية، والحد من التدخين داخل المنازل، وتحسين جودة الهواء، إلى جانب المتابعة الطبية المنتظمة، خصوصًا للأطفال الأكثر عرضة للإصابة.
ويشير اختصاصي الحساسية والمناعة الدكتور خليل أيوب إلى أن تلوث الهواء يُعد من أبرز محفزات الربو، خاصة في المدن الكبرى مثل عمّان، نتيجة عوادم المركبات والانبعاثات الصناعية والغبار المتكرر، ما يؤدي إلى تهيج الجهاز التنفسي لدى الأطفال. كما تلعب مسببات الحساسية دورًا مهمًا، مثل غبار المنزل وحبوب اللقاح كحبوب الزيتون، إضافة إلى وبر الحيوانات. ويعد التدخين السلبي داخل المنازل من أخطر العوامل المؤثرة على صحة الأطفال، إلى جانب التهابات الجهاز التنفسي المتكررة والعوامل الوراثية.
من جهتها، توضح اختصاصية طب الرئة الدكتورة ليليان عارف أن الظروف المناخية، بما في ذلك موجات الغبار والجفاف والتقلبات الجوية، تسهم في تفاقم الأعراض، إضافة إلى عوامل داخلية مثل ضعف التهوية المنزلية والرطوبة والعفن واستخدام مواد كيميائية قوية في التنظيف، ما يجعل البيئة المحيطة عاملًا حاسمًا في انتشار المرض.





