فيروس هانتا يعيد شبح الأوبئة البحرية.. السفن بؤر تهدد العالم

فيروس هانتا يعيد شبح الأوبئة البحرية.. السفن بؤر تهدد العالم

في تحليل جديد، سلط مؤرخ الضوء على أزمة السفينة السياحية هونديوس، التي أعادت طرح تساؤلات حول دور البحار في انتشار الأوبئة، وهو سؤال قديم ظن العالم أنه تجاوزه.

فبعد ظهور حالات إصابة ووفيات مشتبه بها بفيروس هانتا، وجدت السفينة نفسها معزولة في عرض البحر، في حين رفضت موانئ استقبالها خشية انتقال العدوى.

واستدعى هذا الوضع صورا نمطية من الماضي، كقصص طاعون مرسيليا ومحاجر الكوليرا في المدن الساحلية بالقرن الثامن عشر.

ويرى المؤرخ أن ما يحدث اليوم ليس استثناء، بل هو استمرار لتاريخ طويل من الأزمات الصحية البحرية، مستشهدا بسفينة غراند سانت أنطوان التي نقلت الطاعون إلى مرسيليا عام 1720.

وقد وصلت هذه السفينة قادمة من الشرق الأدنى، وتسببت في تدمير المدينة بسبب التأخر في تطبيق الإجراءات الصحية اللازمة.

كما يقارن المؤرخ الوضع بأزمة السفينة دايموند برينسس عام 2020، التي أصبحت رمزا لعجز الأنظمة الصحية أمام فيروس كورونا في بداياته.

البحر كفضاء للعزل

ويوضح التحليل أن للبحر خصوصية في التعامل مع الأمراض، ففي الماضي كانت الرحلات البحرية تستغرق وقتا طويلا، مما جعل السفن بيئات مغلقة تظهر فيها الأعراض أثناء الإبحار.

لهذا السبب، ظهرت أنظمة الحجر الصحي البحري مبكرا، وأصبح وجود طبيب على متن السفن إلزاميا منذ منتصف القرن التاسع عشر، مع تخصيص أماكن للعزل ومراقبة الركاب.

و اضافة لذلك طورت الموانئ الكبرى أنظمة صحية معقدة لمراقبة السفن القادمة، خاصة مع ازدياد الهجرة والتجارة العالمية.

ومن الأمثلة البارزة مركز إيليس آيلاند في الولايات المتحدة، حيث خضع المهاجرون لفحوص صحية دقيقة قبل السماح لهم بالدخول.

وبين التحليل أن البروتوكولات التي وضعت في هذه الجزيرة منذ عام 1892، مكنت من السيطرة على المهاجرين الأوروبيين الوافدين إلى الولايات المتحدة.

ولا يقتصر الأمر على الجانب الطبي، بل يوضح الكاتب أن الصحة البحرية تحولت إلى أداة سياسية مرتبطة بالنفوذ الإمبراطوري خلال القرن التاسع عشر، حيث استخدمت الدول الأوروبية الرقابة الصحية لحماية مصالحها التجارية وإظهار هيمنتها على المستعمرات والممرات البحرية.

واكد انه كانت السفن تخضع للتفتيش قبل دخول الموانئ من قبل أطباء متخصصين، وإذا ظهرت أي شبهة مرضية، تمنع السفينة من ممارسة نشاطها التجاري أو يخضع ركابها للحجر الصحي في مراكز عزل خاصة.

ويرى التحليل أن رفض الرأس الأخضر استقبال سفينة هونديوس يعكس استمرار هذا المنطق حتى اليوم، فالقرارات المتعلقة بالإغلاق ومنع الرسو ليست صحية فقط، بل تحمل أبعادا سياسية تتعلق بالسيادة الوطنية والخوف من فقدان السيطرة.

وفي سياق متصل، يشير المقال إلى أن اختفاء الرحلات البحرية الطويلة بعد الحرب العالمية الثانية وصعود النقل الجوي غيرا طريقة انتشار الأمراض.

ففي السابق كانت العدوى تظهر أثناء الرحلة البحرية، أما اليوم فغالبا ما يصل المصابون إلى وجهاتهم قبل ظهور الأعراض بسبب سرعة السفر الجوي.

لكن رحلة هونديوس كانت استثناء، حيث امتدت 46 يوما بين أمريكا الجنوبية والرأس الأخضر مرورا بجزر نائية، مما أعاد سيناريو المرض الذي يتفجر في عرض البحر.

ويؤكد الكاتب أن قطاع الرحلات البحرية تعلم الكثير من جائحة كورونا، خاصة بعد الانتقادات التي طالت إدارة أزمة دايموند برينسس.

فاليوم أصبحت الشركات تعتمد بروتوكولات صحية أكثر صرامة، مع تدريب خاص للطواقم على التعامل مع الأوبئة.

لكن المفارقة أن وسائل الاتصال الحديثة جعلت حادثة هونديوس تتحول بسرعة إلى قضية عالمية تثير القلق الجماعي، الأمر الذي كشف أن المجتمعات ما تزال تحمل الخوف نفسه من الأمراض العابرة للحدود، رغم كل التقدم العلمي.

الطبيب البحري

ويعيد هذا الحادث إلى الأذهان الدور التاريخي والجوهري لطبيب السفينة، تلك المهنة التي صقلتها الأزمات الكبرى تاريخيا.

واليوم، ورغم تطور أجهزة التعقيم وأنظمة التهوية، يظل فيروس هانتا يذكرنا بأن الصراع الأزلي بين الإنسان وبيئة السفينة الضيقة لم ينته بعد، وأن دروس الماضي لا تزال حية تحت أسطح المراكب الحديثة.

وتبرز أهمية الأطباء في الأزمات التي تتطلب الجمع بين الطب وعلم الأوبئة وإدارة اللوجستيات في أماكن مغلقة وبعيدة عن المستشفيات.

الفئران العدو التاريخي للسفن

ومن الجوانب اللافتة في التحليل التذكير بأن الأمراض البحرية ارتبطت تاريخيا بالقوارض، خاصة الفئران التي كانت تنقل الطاعون وغيره من الأوبئة عبر السفن، ولهذا طورت البحريات إجراءات صارمة لمكافحة القوارض.

ورغم هذه الإجراءات، بقي وجود القوارض هاجسا دائما في عالم الملاحة، حتى إن العثور على فئران نافقة كان يعتبر مؤشرا مبكرا على وجود خطر صحي على متن السفينة.

وختم المقال موضحا أن أزمة هونديوس ليست مجرد حادثة صحية معزولة، بل مرآة تكشف أن العالم الحديث ما يزال يعود عند لحظات الخوف إلى أساليب قديمة جدا: الحجر الصحي، العزل، إغلاق الحدود، ومراقبة الحركة البحرية.

واضاف ان البحار تظل فضاء هشا أمام الأوبئة، وتظل الذاكرة الجماعية للبشرية مرتبطة بصورة السفينة المعزولة في الأفق، الحاملة لمرض غير مرئي يهدد اليابسة بأكملها.