شهدت مدينة الزاوية غرب ليبيا اشتباكات مسلحة عنيفة بين تشكيلات تتبع حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وقد طالت الاشتباكات مصفاة تكرير النفط وتسببت في تضرر العديد من البنايات، كما أوقعت قتلى وجرحى.
ووقعت الاشتباكات فجر الجمعة بين عناصر تابعة لمحمد كشلاف الملقب بـ«القصب» ومحمد بحرون الملقب بـ«الفار» آمر كتيبة «الإسناد الأولى»، بمساندة تشكيلات أخرى لدعم كلا الطرفين، على خلفية عملية أمنية تستهدف «تطهير المدينة من المخالفين».
وتقع الزاوية على بعد 40 كيلومترا غرب العاصمة طرابلس، وتضم أكبر مصفاة نفط عاملة في ليبيا بطاقة إنتاجية تبلغ 120 ألف برميل يوميا.
توقف مصفاة الزاوية عن العمل
واضاف هذا الاقتتال العنيف حول شوارع بالزاوية إلى ساحة حرب مفتوحة، وهو أحدث فصل في دوامة العنف التي تعيشها مناطق بغرب ليبيا، والتي تعاني من توسع نفوذ الميليشيات.
وبين وسط حالة من الفوضى الأمنية بالمدينة التي تعج بالميليشيات المسلحة، وتعد بعضها «أذرعا مسلحة» لرئيس حكومة «الوحدة»، تصاعد الاقتتال، واعلنت شركة «الزاوية» لتكرير النفط «توقف مصفاة الزاوية عن العمل نتيجة سقوط قذائف من العيار الثقيل بمحيطها».
وعبرت الشركة ومستخدموها الجمعة عن «بالغ القلق والاسف والخوف، نتيجة الاحداث الامنية التي شهدتها المنطقة المحيطة بالمجمع النفطي الذي اندلعت بالقرب منه اشتباكات مسلحة وتبادل لاطلاق النار، وتصاعدت حدته بشكل متسارع».
سقوط قذائف واجراءات عاجلة
وكشفت الشركة أن الاقتتال أسفر عن «سقوط كثير من القذائف من العيار الثقيل في مواقع عدة داخل الشركة، ووصلت إلى مناطق التشغيل»، وقالت: «استوجب الامر اتخاذ اجراءات عاجلة طارئة بايقاف المصفاة بالكامل، واخلاء الميناء من الناقلات، حفاظا على سلامة ارواح المستخدمين والمنشات والمحافظة على البيئة المحيطة».
وناشدت شركة «الزاوية» لتكرير النفط «الاطراف المتقاتلة كافة ضرورة وقف اطلاق النار فورا، كما تدعو الجهات الرسمية بالدولة بضرورة التدخل السريع، وابعاد الصراعات المسلحة عن المناطق الحيوية، حفاظا على سلامة العاملين وسكان المناطق المجاورة».
ولفتت الشركة إلى أن «مصفاة الزاوية يرتبط نشاطها بالصالح العام وامن الوطن والمواطن، وأن اي تهديد لامن وسلامة هذه المنشات الحيوية انما هو تهديد لمقدرات الشعب الليبي».
من هما «القصب» و«الفار»؟
يذكر ان «القصب» مدرج على قوائم العقوبات الدولية الصادرة عن مجلس الامن، اما «الفار» فسبق واتهم بقتل ميليشياوي اخر قبل ان تبرئه محكمة بغرب ليبيا، والاثنان مواليان للدبيبة، وعادة ما يحضران موائد الافطار السنوي التي يعدها الدبيبة.
وهذه ليست المرة الاولى التي تصل فيها نيران اشتباكات الميليشيات إلى مصفاة الزاوية، فضلا عن ملاحظة وجود تحشيدات مسلحة واسعة منذ ايام، في مناطق عدة بالزاوية من بينها الحرشة والصابرية.
ويرصد شهود عيان أن ميليشيات «الفار» بادرت باطلاق النار على ميليشيات «سالم اللطيف»، وهي تشكيلات مسلحة اخرى تتبع «القصب» و«الكابوات» و«فرحات» تدخلت لدعم اللطيف.
واندلعت نيران في احد المنازل بمنطقة قريبة من المصفاة، ورصد شهود عيان صعوبة وصول سيارات الاسعاف لانقاذ جرحى، بسبب شدة اطلاق النار، وتحدثوا عن اصابة محمد الزيتوني الملقب بـ«الشلفوح»، ومقتل مواطن يرجح ان يكون اسمه مالك الميساوي.
وامام تسعر الاقتتال الذي استخدمت فيه اسلحة ثقيلة، اهاب «مركز طب الطوارئ والدعم» بالزاوية بسكان المدينة عدم الخروج من منازلهم الا للضرورة القصوى، وفيما طالبهم بتوخي الحيطة والحذر، خصص رقمين للطوارئ كي يسهل على المواطنين العالقين الاستغاثة.
وتحدث محمد القرج الاعلامي الليبي عن وجود سكان عالقين وسط اطلاق النار، متسائلا: «اين الحكومة والمجلس الرئاسي من هذه الفوضى؟».
عملية أمنية واسعة النطاق
واعلنت مديرية امن الزاوية و«الغرفة الامنية المشتركة» والاجهزة الامنية المشاركة الجمعة عن انطلاق عملية امنية واسعة النطاق تستهدف اوكار المجرمين والمطلوبين والخارجين عن القانون، «وكل من تورط في اعمال تهدد الامن العام والسلم الاجتماعي».
وتؤكد الغرفة الامنية ان هذه العملية «تاتي ضمن خطة امنية شاملة تهدف الى فرض سلطة الدولة، وتجفيف منابع الجريمة، وانهاء حالة الفوضى والانفلات الامني»، وتوعدت بانه «لن يكون هناك اي تهاون مع كل من يثبت تورطه في اعمال اجرامية، او محاولات لعرقلة عمل الاجهزة الامنية».
ودعت الغرفة المواطنين كافة الى التعاون مع القوات الامنية، و«الابلاغ عن اي تحركات مشبوهة او اماكن تستخدم اوكارا للعناصر المطلوبة»، لافتة إلى أن «سلامة المواطنين وممتلكاتهم تمثل اولوية قصوى، وأن الاجراءات كلها ستتم وفق القانون، وتحت اشراف النيابة العامة».
وانتهت الغرفة التي يترأسها اللواء علي خليفة اللافي محذرة «المطلوبين والخارجين عن القانون كافة من مقاومة القوات المكلفة بتنفيذ هذه العملية... كل من يسلم نفسه طواعية سيعامل وفق الاجراءات القانونية».
ونفت المنطقة العسكرية بالساحل الغربي ما تم تداوله بشان مشاركتها في العملية الامنية التي اعلنت عنها مديرية امن الزاوية، مؤكدة ان «مثل هذه العمليات تتطلب التريث والترتيب والتنسيق على اعلى المستويات، بما يضمن حماية المدنيين والحفاظ على الممتلكات العامة والخاصة».
كما تشدد المنطقة في بيان اصدرته الجمعة على انها «بعيدة كل البعد عن اي اعمال او تحركات قد تفهم على انها تصفية حسابات، وأن موقفها ثابت في دعم الامن والاستقرار وسيادة القانون بما يخدم مصلحة الوطن والمواطن».
«حرب عبثية» ونزوح
وعد محمد قشوط الناشط السياسي الليبي ما يحدث في الزاوية «حربا عبثية مدمرة تم التحشيد لها منذ اسابيع»، وقال في تصريح صحافي: «يراد للزاوية ان تعيش على هذه الحال، حتى يضمن من يصل الى السلطة في طرابلس بقاءه واستمراره».
ومنذ مساء الخميس نزحت عائلات عدة من مناطق التحشيد المسلح بالزاوية، خصوصا القاطنين بمحيط المصفاة، في ظل شهود عيان يتحدثون عن سيطرة لعناصر «القصب» على بنايات مطلة على الساحات التي شهدت الاقتتال.
ورصدت المؤسسة الوطنية لحقوق الانسان في ليبيا وقوع قتيلين و5 جرحى من المدنيين جراء تساقط القذائف والرصاص العشوائي على منازلهم، مشيرة إلى اضرار مادية لحقت بالسكان المدنيين.
وحملت المؤسسة الوطنية وزارة الداخلية ورئاسة الاركان بغرب ليبيا المسؤولية القانونية الكاملة «حيال فشلهم في حماية امن وسلامة السكان وممتلكاتهم، وتعريض حياتهم وسلامتهم للخطر».
كما دعت النائب العام والمدعي العام العسكري والمجلس الرئاسي الليبي إلى فتح «تحقيق جاد وشامل في اسباب اندلاع العنف والاشتباكات التي تشهدها الزاوية».
وترتبط مصفاة الزاوية بحقل الشرارة النفطي الذي تبلغ طاقته الانتاجية 300 الف برميل يوميا.





