تعود المجالس الاجتماعية والقبلية في ليبيا، التي مزقتها الانقسامات والصراعات منذ سقوط نظام معمر القذافي، إلى الواجهة كأحد أبرز الفاعلين الساعين إلى ملء فراغ الدولة واحتواء الأزمات، وسط جدل متجدد بشأن حدود أدوارها.
وفي هذا السياق، أعلن في العاصمة طرابلس، الاسبوع الماضي، عن تأسيس «مجلس اجتماعي» جديد، بمشاركة شخصيات سياسية واجتماعية، من بينها فائز السراج، رئيس المجلس الرئاسي السابق.
وأعاد هذا الاعلان طرح تساؤلات قديمة تتجدد مع كل أزمة، هل ينحصر دور هذه المجالس في لعب دور الوسيط المحلي، أم أنها بديل عن الدولة في ظل الانقسام الحكومي والسياسي؟
ويشدد مستشار «المجلس الاعلى لقبائل وأعيان ليبيا» مفتاح القيلوشي على أهمية هذه المجالس في رسم حاضر ومستقبل البلاد بوصفها أجساما أهلية داخل القبائل والمدن، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنها لا تمارس العمل السياسي المباشر، لكنها تشارك في مؤسسات الدولة عبر أبناء القبائل الذين يتولون مناصب وزارية أو نيابية.
وعدَّ القيلوشي أن دور المجلس الوطني يتركز في مؤازرة وحدة الدولة ورفض التدخلات الخارجية.
ومنذ سقوط النظام السابق، برزت المجالس الاجتماعية بوصفها أحد أبرز الفاعلين المحليين في ظل انهيار مؤسسات الدولة والانقسام السياسي والعسكري والأمني، وتنوعت بين مجالس قبلية تضم شيوخ وأعيان القبائل، وأخرى مدنية ومحلية حملت أسماء مثل «الحكماء» و«الأعيان» و«المصالحة»، قبل أن تتطور إلى تجمعات أوسع تحت عناوين مؤتمرات القبائل والمدن والمجالس الاجتماعية.
الشرق والغرب
وفي شرق ليبيا وغربها، لعبت هذه المجالس أدوارا متفاوتة في الوساطة واحتواء النزاعات وفرض التهدئة، ومن أبرزها مجالس أعيان قبائل العواقير والبراعصة وورفلة والقذاذفة والمقارحة وأولاد سليمان والزنتان، إلى جانب لجان المصالحة بين مصراتة وتاورغاء لمعالجة «ملف النزوح»، كما ظهرت مجالس تمثل الأمازيغ والطوارق والتبو للمطالبة بـ«حقوق الهوية والتمثيل السياسي».
وفي مقابل الدور الذي كان يمثله المكون القبلي في عهد القذافي عبر «المنسقين الاجتماعيين» و«القيادات الشعبية»، يشير القيلوشي إلى أن هذا الدور أعيد تشكيله بعد 2011 في إطار المجالس الاجتماعية، التي برزت استجابة لانهيار مؤسسات الدولة، لتتولى مهام الحفاظ على التماسك المجتمعي وإدارة الشأن المحلي في ظل الانقسام والفوضى.
وساق القليوشي مثالا على ذلك بما شهدته مناطق بشرق وجنوب ليبيا من استقرار نسبي مع إعادة بناء «الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر، بمشاركة أبناء القبائل، مشيرا إلى مساهمة القبائل أيضا في دعم جهود مكافحة الارهاب ومعالجة بعض الملفات الأمنية والاجتماعية.
ويبرز أن المجتمع الليبي يتكون في غالبيته من قبائل منتشرة في الشرق والغرب والجنوب، إلى جانب مكونات أخرى مثل الأمازيغ والطوارق والتبو، مؤكدا أن القبيلة مثلت مظلة اجتماعية أسهمت في حل النزاعات وضبط الأوضاع عبر الأعراف وشيوخ القبائل بعد غياب مؤسسات الدولة.
أدوات فاعلة
بدوره، وصف الأكاديمي الليبي فرج جبيل هذه المجالس بأنها أدوات فاعلة في إدارة الشأن العام؛ لما تتمتع به من مرونة وقدرة على التواصل مع مختلف الأطراف دون قيود رسمية، ما مكنها، وفق قوله، من لعب أدوار في الاصلاح الاجتماعي والتأثير في بعض المسارات السياسية.
وجاء الاعلان عن «المجلس الاجتماعي طرابلس» بالتزامن مع تحركات مشابهة، إذ شرعت قبيلة «العلاونة» بالعاصمة في إعادة تنظيم مجلسها الاجتماعي، في حين ظهرت دعوات لاحياء مجلس مماثل في بلدية الأصابعة غرب البلاد.
لكن هذا الحراك لم يمر دون انتقادات عبر صفحات التواصل الاجتماعي، إذ عدَّ وكيل نقابة المحامين السابق في بنغازي محمد العلاقي أن تنامي دور هذه المجالس يمثل مؤشرا على ما وصفه بـ«بدونة الدولة»، قائلا إن الليبيين كان يفترض أن يتجهوا نحو الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني، بدلا من إعادة إنتاج الأطر القبلية والاجتماعية.
وناقش المجلس الاجتماعي لقبيلة القذاذفة، خلال أبريل الماضي، تأسيس صندوق لدعم مرضى الأورام من أبناء القبيلة، في حين انخرط المجلس الاجتماعي لقبيلة «أولاد سليمان» في مراسم صلح وعفو مع إحدى عائلات قبيلة «الماجر» في الجنوب الليبي.
هياكل شكلية
ومع ذلك، يرى الكاتب الصحافي الليبي ناصر سعيد أن كثيرا من هذه الكيانات فقدت تأثيرها وتحولت إلى هياكل شكلية تقتصر على إصدار البيانات دون حضور فعلي على الأرض، وهو ما عزاه إلى الصراع على الزعامة وظهور تجمعات قبلية متباينة المواقف بين قضايا التهميش والدعوات الانفصالية والسجالات السياسية.
وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن هذه المجالس افتقرت منذ تأسيسها إلى مشروع وطني موحد وآليات ديمقراطية واضحة، وانشغلت بالمطالب المحلية والمحاصصة داخل مؤسسات الدولة، مشيرا إلى تحول بعضها إلى أدوات تستخدمها أطراف سياسية ومجموعات مسلحة، ما أضعف استقلاليتها ومصداقيتها لدى قطاعات من الليبيين.
ورغم الانتقادات، يرى مراقبون أن المجالس الاجتماعية تحتفظ بثقل محلي رمزي واجتماعي في عدد من المناطق، لكن تأثيرها المستقبلي مرهون بتجاوز الانقسامات والاستقطابات ودعم الوحدة الوطنية والاستقرار.





