تدرس ايران اخر المقترحات الاميركية لانهاء الحرب، بينما كثف الرئيس الاميركي دونالد ترمب ضغوطه على طهران، ملوحا بموجة قصف جديدة اذا لم يتم التوصل الى اتفاق يشمل تهدئة الصراع واعادة فتح مضيق هرمز امام الملاحة الدولية.
وجاءت الرسائل المتباينة بعد نحو يومين من اعلان واشنطن تعليق مشروع الحرية، وهي العملية التي اطلقتها لفتح ممر امن للسفن التجارية عبر مضيق هرمز، مع استمرار الحصار الاميركي على الموانئ الايرانية، واستمرار ترقب الاسواق والعواصم رد طهران عبر الوسيط الباكستاني.
وكشفت مصادر ومسؤولون ان الولايات المتحدة وايران تقتربان من اتفاق محدود ومؤقت عبر مسودة اطار عمل توقف القتال، لكنها تترك القضايا الاكثر خلافا دون حل، في مؤشر الى خفض سقف الطموحات بشان تسوية شاملة.
وبينت المصادر ان الخطة ترتكز على مذكرة تفاهم قصيرة الاجل لا على اتفاق سلام كامل، ويعكس ذلك عمق الخلافات بين الجانبين، خصوصا بشان البرنامج النووي الايراني، ومصير مخزونات اليورانيوم عالي التخصيب، ومدة تعليق اي نشاط نووي حساس.
وذكرت المصادر والمسؤولون ان البلدين يعملان على ترتيب مؤقت يمنع عودة الصراع، ويحقق استقرار الملاحة عبر مضيق هرمز، وقال مسؤول باكستاني مشارك في جهود الوساطة ان اولويتنا هي ان يعلنوا انهاء دائما للحرب، ويمكن بحث بقية القضايا بمجرد عودتهم الى المحادثات المباشرة.
واشارت المصادر الى ان الاطار المقترح ينفذ على ثلاث مراحل: اعلان نهاية الحرب رسميا، حل ازمة مضيق هرمز، ثم فتح نافذة مدتها 30 يوما للتفاوض على اتفاق اوسع بين واشنطن وطهران.
وصمد وقف اطلاق النار الهش بين الولايات المتحدة وايران الى حد كبير منذ 8 ابريل، لكن المحادثات المباشرة بين الجانبين التي استضافتها باكستان الشهر الماضي لم تتوصل الى اتفاق، وبدات الحرب في 28 فبراير، عندما شنت الولايات المتحدة واسرائيل ضربات على ايران.
وتشير الصيغة المطروحة الى خفض سقف الطموحات بين واشنطن وطهران، اذ لا تعالج في مرحلتها الاولى الخلافات الاعمق بشان البرنامج النووي، ومخزون اليورانيوم عالي التخصيب، ومدة تعليق الانشطة النووية الحساسة، بل تفتح نافذة تفاوضية مؤقتة لتجنب عودة الحرب.
مذكرة من صفحة
افاد مصدر مطلع على جهود الوساطة بان مبعوث ترمب ستيف ويتكوف وصهر الرئيس جاريد كوشنر يقودان المفاوضات الاميركية، وذكر المصدر انه اذا وافق الجانبان على الاتفاق المبدئي، فستبدا مفاوضات تفصيلية لمدة 30 يوما للتوصل الى اتفاق شامل.
وفي رواية موازية، كان موقع اكسيوس قد افاد ان البيت الابيض يعتقد انه قريب من اتفاق مع ايران على مذكرة من صفحة واحدة لانهاء الحرب ووضع اطار لمفاوضات نووية اوسع، وتشمل البنود، وفق التقرير، وقفا مؤقتا لتخصيب اليورانيوم، ورفع العقوبات، والافراج عن اموال ايرانية مجمدة، وفتح المضيق امام السفن.
لكن مصادر رويترز قالت ان المذكرة، بصيغتها الحالية، لا تحسم مطالب اميركية رئيسية سبق ان رفضتها ايران، بينها فرض قيود على برنامجها الصاروخي، ووقف دعمها جماعات وفصائل مسلحة في الشرق الاوسط، وتسوية ملف مخزون اليورانيوم المخصب بدرجة تقترب من مستوى صنع السلاح.
ولم تشر المصادر كذلك الى مخزون ايران الحالي من اليورانيوم عالي التخصيب، المقدر باكثر من 400 كيلوغرام، كما قالت ان المذكرة لا تتطلب في البداية تنازلات كبيرة من اي طرف، ما يجعلها اطارا مؤقتا اكثر من كونها تسوية نهائية.
باكستان في الوسط
في الاثناء، قالت طهران ان وزير الخارجية عباس عراقجي اجرى اتصالا هاتفيا مع نظيره الباكستاني اسحاق دار، الذي لعب دورا رئيسيا في جهود الوساطة بين ايران والولايات المتحدة.
وردا على سؤال عن سرعة التوصل الى اتفاق، قال المتحدث باسم الخارجية الباكستانية طاهر اندرابي، خلال افادة صحافية في اسلام اباد: لا نزال متفائلين، واضاف: نتوقع التوصل الى اتفاق عاجلا وليس اجلا.
ورفض اندرابي تحديد جدول زمني او التعليق على حركة الرسائل، قائلا ان بلاده لن تكشف تفاصيل الجهود الدبلوماسية الجارية، لكنه اكد ان باكستان تامل في حل سلمي ومستدام يسهم ليس فقط في السلام في منطقتنا، بل في السلام الدولي ايضا.
وقال رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في تصريحات متلفزة، ان اسلام اباد لا تزال على اتصال مستمر مع ايران والولايات المتحدة، ليلا ونهارا، من اجل وقف الحرب وتمديد وقف اطلاق النار.
ترمب يضغط
تحدث ترمب، الذي روج مرارا لاحتمال التوصل الى اتفاق ينهي الحرب التي بدات في 28 فبراير، بنبرة متفائلة وتهديدية في ان واحد، وقال للصحافيين في المكتب البيضاوي، الاربعاء: يريدون ابرام اتفاق، لقد اجرينا محادثات جيدة للغاية خلال الساعات الاربع والعشرين الماضية، ومن الممكن جدا ان نتوصل الى اتفاق.
واضاف لاحقا: سينتهي الامر بسرعة، لكنه كتب على وسائل التواصل الاجتماعي ان الحرب قد تنتهي قريبا وان شحنات النفط والغاز التي عطلها الصراع قد تستأنف، قبل ان يهدد: اذا لم يوافقوا، فسيبدا القصف.
وقال ترمب ان القصف، اذا استؤنف، سيكون للاسف، على مستوى وكثافة اعلى بكثير مما كان عليه من قبل، وتعكس هذه الرسائل محاولة الجمع بين دفع المسار التفاوضي ورفع كلفة الرفض الايراني في الوقت نفسه.
وقال المتحدث باسم الخارجية الايرانية اسماعيل بقائي ان طهران رفضت بشدة المقترحات الاميركية كما اوردها اكسيوس، لكنها لا تزال تدرس احدث نص اميركي وصلها عبر الوسيط الباكستاني، على ان تعلن ردها عندما تستكمل بلورة موقفها.
وكان النائب ابراهيم رضائي، المتحدث باسم لجنة الامن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الايراني، المقترح بانه اقرب الى قائمة امنيات اميركية منه الى الواقع، قائلا ان واشنطن لن تحصل في الحرب على ما لم تحصل عليه في المفاوضات المباشرة.
وبدا رئيس البرلمان وكبير المفاوضين الايرانيين محمد باقر قاليباف ساخرا من تقارير قرب الاتفاق، اذ كتب على منصة اكس ان عملية صدقني يا رجل فشلت، مضيفا ان العودة الان هي الى عملية اكاذيوس، في تلاعب لفظي يلمح الى اكسيوس وفوكس نيوز، واتهامهما بترويج رواية اميركية بعد فشل واشنطن في فتح مضيق هرمز.
وانتقد عضو لجنة الامن القومي، النائب المحافظ المتشدد محمود نبويان، تشكيلة الفريق المفاوض برئاسة قاليباف، قائلا انه لا امل في التوصل الى اتفاق مناسب لايران في ظل ما وصفه بسجل الولايات المتحدة في نقض العهود، ووجود شخصيات مرتبطة بالاتفاق النووي لعام 2015 داخل الوفد.
ودعا نبويان قاليباف الى استبعاد من وصفهم باصحاب اتفاق برجام الخاسر من الفريق المفاوض بشكل كامل، في اشارة صريحة الى عراقجي الذي كان كبيرا للمفاوضين النوويين خلال فترة رئاسة حسن روحاني.
حصار هرمز
كانت ادارة ترمب قد علقت مهمة بحرية استمرت يومين لفتح مضيق هرمز، عازية الخطوة الى احراز تقدم في محادثات السلام، ولا يعرف سوى عبور سفينتين تجاريتين ترفعان العلم الاميركي عبر المسار الذي حرسه الجيش الاميركي بعد فتحه الاثنين.
وقالت القيادة المركزية الاميركية ان القوات الاميركية اغرقت ستة زوارق ايرانية صغيرة كانت تهدد سفنا مدنية، كما ذكرت، في منشور على اكس، ان القوات الاميركية اطلقت النار مرات عدة على ناقلة نفط ايرانية فارغة، الاربعاء، ما ادى الى تعطيلها اثناء محاولتها الابحار نحو ميناء ايراني في انتهاك للحصار.
ولا تزال مئات السفن التجارية عالقة في الخليج العربي، غير قادرة على الوصول الى البحر المفتوح من دون المرور عبر المضيق، وقد ادى الاغلاق الى رفع اسعار الوقود، وزعزعة الاقتصاد العالمي، وزيادة الضغوط على دول كبرى، بينها الصين.
وتصاعدت المخاوف بشان المضيق بعدما اشتعلت النيران في سفينة الشحن الكورية الجنوبية اتش ام ام نامو اثناء محاولتها العبور، في حادث زاد القلق من مخاطر الملاحة، بينما نفت طهران اتهامات ترمب بانها اطلقت النار على السفينة.
وقال الرئيس الفرنسي ايمانويل ماكرون، الاربعاء، ان مجموعة حاملة الطائرات الفرنسية تتحرك الى البحر الاحمر استعدادا لمهمة فرنسية - بريطانية محتملة لاستعادة الامن البحري في مضيق هرمز عندما تسمح الظروف بذلك.
وفي بكين، دعا وزير الخارجية الصيني وانغ يي الى وقف شامل لاطلاق النار بعد اجتماعه مع عراقجي، قائلا ان بلاده تشعر بقلق عميق ازاء الصراع، وتضغط ادارة ترمب على الصين لاستخدام علاقاتها الوثيقة بطهران لحضها على فتح المضيق.
وجاءت زيارة عراقجي الى الصين قبل زيارة مقررة لترمب الى بكين يومي 14 و15 مايو للقاء الرئيس شي جينبينغ، وقال عراقجي للتلفزيون الايراني الرسمي ان محادثاته تناولت مضيق هرمز، والبرنامج النووي، والعقوبات.
الاسواق تتفاءل
وتترقب عواصم العالم والاسواق المالية رد طهران، لان اي اتفاق، ولو جزئيا، قد يفتح الطريق امام تهدئة في مضيق هرمز واستئناف اكثر انتظاما لشحنات النفط والغاز، بينما قد يعيد فشل المقترح شبح القصف والحصار الى الواجهة.
انعكست بوادر الاتفاق المحتمل على الاسواق العالمية، فقد ارتفعت الاسهم الاسيوية، وقاد مؤشر نيكاي في طوكيو موجة صعود قوية، بينما تراجعت اسعار النفط مجددا مع رهان المستثمرين على تحسن الامدادات اذا اعيد فتح مضيق هرمز.
وانخفض خام برنت بنحو ثلاثة في المائة الى نحو 98 دولارا للبرميل، بعد تراجعه بنحو ثمانية في المائة في الجلسة السابقة، فيما قالت هاباغ لويد ان اغلاق المضيق يكلفها نحو 60 مليون دولار اسبوعيا بفعل ارتفاع تكاليف الوقود والتأمين.
ورغم التفاؤل، تبقى اسعار الطاقة اعلى بكثير من مستويات ما قبل الحرب، وتنتظر الاسواق موقف طهران من المقترح الاميركي، ويجعل ذلك اي انفراجة مرهونة برد ايراني رسمي، وبقدرة الوسطاء على تحويل مذكرة قصيرة الاجل الى مسار تفاوضي يمنع عودة القتال.





