في خطوة وصفتها الصحافة الصينية بانها محطة فارقة لحماية التجارة الدولية، أصدرت وزارة التجارة الصينية أول "أمر حظر" بموجب لائحة مواجهة التطبيق غير القانوني للتشريعات والإجراءات الأجنبية خارج الحدود الإقليمية، وهو ما يعني عدم اعتراف الصين بالعقوبات الأمريكية المفروضة على شركات تكرير صينية ومنع تنفيذ هذه العقوبات أو الامتثال لها داخل الأراضي الصينية.
ويقضي هذا الأمر بمنع الاعتراف بالعقوبات الأمريكية الأحادية أو تنفيذها أو الامتثال لها بعد استهدافها لـ5 شركات صينية عاملة في قطاع البتروكيماويات، على خلفية اتهامات واشنطن لهذه الشركات بشراء النفط الإيراني.
وتوضح الصحف الصينية أن القرار الأمريكي الذي فجر هذه الخطوة يعود إلى عام 2025، عندما أدرجت الولايات المتحدة 5 شركات صينية على قائمة "المواطنين المصنفين بشكل خاص" وفرضت عليها تجميدا للأصول وحظرا على المعاملات المالية والتجارية بدعوى مشاركتها في معاملات نفطية مع طهران.
ووفق ما نقل عن المتحدث باسم وزارة التجارة الصينية، فقد امتدت العقوبات الأمريكية لتشمل شركات للتكرير والشحن والموانئ الصينية، تحت ذريعة "المشاركة في معاملات النفط الإيراني"، بما يترتب عليه من تجميد أصول وحرمان من التعاملات الدولية لتلك الكيانات.
وبحسب ما أوردته صحيفة الشعب الناطقة باسم الحزب الشيوعي الصيني، استهدفت العقوبات الأمريكية تحديدا: شركة هينغلي (داليان) للتكرير والبتروكيماويات المحدودة، وشركة شاندونغ شوقوانغ لوتشينغ للبتروكيماويات المحدودة، ومجموعة شاندونغ جينتشنغ للبتروكيماويات المحدودة، ومجموعة خبي شينهاي الكيميائية المحدودة، وشركة شاندونغ شنغشينغ الكيميائية المحدودة.
وتعد هذه الشركات جزءا من حلقات رئيسية في سلسلة التوريد البتروكيماوية الصينية، ما جعل تأثير العقوبات يتجاوز الكيانات المستهدفة ليطال استقرار سلاسل الإمداد الصناعية في الصين.
من الاطار الى التنفيذ
تصف صحيفة الشعب الصينية إصدار أمر الحظر بأنه "خطوة رئيسية لانتقال أسلحة سيادة القانون الصينية المتعلقة بالشؤون الخارجية من الاحتياطي المؤسسي إلى التطبيق العملي"، مشيرة إلى أن بكين تستخدم "قوة سيادة القانون للرد بحزم على الولاية القضائية الأمريكية طويلة الذراع".
وتضيف الصحف الصينية أن الإطار القانوني الصيني لم يعد مجرد نصوص، بل بدأ ينتج أدوات تنفيذية في حالات محددة، في تحول من "الدفاع الورقي" إلى "الحماية الإجرائية".
بهذا المعنى، يقدم أمر الحظر كأول اختبار عملي لنظام قانوني صيني خارجي آخذ في التشكل، أكثر من كونه مجرد رد على واقعة عقوبات بعينها.
ترسانة قانونية تتبلور
من جانبها، تضع صحيفة غلوبال تايمز الصينية الخطوة ضمن تطور أوسع لـ "النظام القانوني الصيني المتعلق بالشؤون الخارجية"، مشيرة إلى أن بكين طورت خلال السنوات الأخيرة قانون مكافحة العقوبات الأجنبية، وقواعد مواجهة الإجراءات خارج الحدود، إضافة إلى لائحة الحظر الصادرة في عام 2021.
وتقدم الصحيفة هذا الإطار باعتباره أداة لمواجهة توسع العقوبات والولاية القضائية خارج الحدود من قبل بعض الدول.
وفي هذا السياق فان أمر الحظر يشكل سابقة باعتباره الاستخدام الأول لـ "لائحة مواجهة التطبيق غير القانوني للتشريعات والإجراءات الأجنبية خارج الحدود الإقليمية"، بما يمنح هذه اللائحة مضمونا عمليا بعد أن ظلت لسنوات جزءا من "الاحتياطي المؤسسي".
استدعاء التجربة الاوروبية
وتستحضر الصحافة الصينية تجربة الاتحاد الأوروبي في عام 1996 عندما اعتمد لائحة لحماية شركاته من آثار قوانين أمريكية خارج الإقليم، ومنع تطبيق قانوني هيلمز–بيرتون وداماتو خارج أوروبا.
وتظهر هذه المقارنة كمحاولة لتأطير الخطوة الصينية باعتبارها امتدادا لنهج دولي قائم، وليس خروجا منفردا عن الأطر المتعارف عليها في إدارة التعارض بين القوانين الوطنية في بيئة الاقتصاد العالمي.
حماية السيادة وسلاسل الامداد
وتؤكد وزارة التجارة الصينية أن الأمر "إجراء ضروري لحماية السيادة الوطنية والأمن ومصالح التنمية، وحماية الحقوق والمصالح المشروعة للمواطنين والأشخاص الاعتباريين أو المنظمات الصينية الأخرى".
وتشدد صحيفة الشعب على أن الصين "لم تصعد المواجهة ولم تقدم تنازلات"، وإنما "نفت من خلال أدوات قانونية الأثر خارج الحدود الإقليمية للعقوبات الأمريكية غير القانونية".
تداعيات ورسايل دولية
وترى الصحف الصينية أن القرار يهدف أيضا إلى دعم سلاسل التوريد الصناعية وتقليل آثار عدم اليقين الناتج عن العقوبات، خصوصا في قطاعات الطاقة والبتروكيماويات والشحن.
كما ينظر إلى "أمر الحظر" بوصفه رسالة مزدوجة: دعم داخلي للشركات الصينية، وخارجي يؤكد أن بكين ستواجه آثار العقوبات العابرة للحدود بأدوات قانونية.
وتشير التقديرات الصينية إلى أن هذه خطوة قد تمثل بداية مرحلة أوسع من استخدام القانون كأداة في إدارة الصراع الاقتصادي الدولي، بما قد يعيد رسم حدود التوازن بين العقوبات وسيادة الدول في النظام التجاري العالمي.





