كشفت تجربة باحثة في جامعة غوتنبرغ بالسويد، ألميرا عثمانوفيتش تونستروم، عن أخطاء منهجية في البحث العلمي، تهدد مصداقيته وتزيد الشكوك حول تدهوره.
وكان الهدف من التجربة اختبار قدرة نماذج الذكاء الاصطناعي على استيعاب المعلومات المضللة وإعادة إنتاجها كنصائح صحية موثوقة، لذلك اختلقت الباحثة مرضًا أسمته "بيكسونيمانیا"، وقالت إنه يسبب لونًا ورديًا خفيفًا في الجفون مع ألم أو حكة في العينين، نتيجة قضاء وقت طويل أمام الشاشات.
المرض المزيف يرتدي ثوبا علميا
وألبست الباحثة هذا المرض المزيف ثوبًا علميًا، ففي 15 مارس كتبت أول منشورات عنه على موقع "ميديوم"، ثم في 26 أبريل و6 مايو ظهرت دراستان حول الحالة على شبكة "ساي بروفايلز" الأكاديمية، وكان المؤلف الرئيسي باحثًا وهميًا يدعى "لازليف إيزغوبليينوفيتش"، وصورته تم إنشاؤها باستخدام الذكاء الاصطناعي.
وقالت ألميرا إنها حرصت على تضمين إشارات ودلائل غير مباشرة تشير إلى كذب التجربة، بدءًا من اختيار اسم "بيكسونيمانیا" الذي وصفته بأنه "يبدو سخيفًا"، وتضمينه كلمة "مانيا" المستخدمة في الطب النفسي وليس في أمراض العيون.
واضافت انها أدرجت أدلة عديدة داخل الأوراق العلمية تشير إلى زيفها، مثل جامعة وهمية باسم "جامعة أستيريا هورايزون" في مدينة خيالية، وشكر لأكاديمية "ستار فليت" من مسلسل خيال علمي، وإشارات ساخرة لمصادر تمويل خيالية، بل إن الأوراق تضمنت عبارات صريحة مثل: "هذه الورقة بأكملها مختلقة"، و"تم اختيار 50 شخصًا خياليًا للدراسة".
نتائج فاقت التوقعات
ورغم كل هذه الإشارات، بدأت الحالة تظهر بسرعة في إجابات أنظمة الذكاء الاصطناعي، ففي أبريل، وصفتها بعض الأنظمة بأنها "حالة نادرة ومثيرة"، وربطتها بالتعرض لضوء الشاشات، ونصحت المستخدمين بمراجعة طبيب عيون.
واوضحت ان المفاجأة كانت في تجاوز صدى هذا المرض المزيف الذكاء الاصطناعي إلى الأبحاث المنشورة، حيث استشهدت دراسة حقيقية في مجلة "كيوريوس" بالحالة المزيفة، قبل أن تُسحب لاحقًا بعد اكتشاف حقيقة المرض.
واشارت الى ان التجربة أثارت جدلًا كبيرًا في أوساط البحث العلمي، بين فريق يراها مفيدة في تقديم درس عملي لكيفية انتشار المعلومات المضللة، وآخر يراها مضرة لإسهامها في نشر معلومات مضللة أدت إلى "تسميم" أنظمة الذكاء الاصطناعي بمحتوى مزيف، خاصة مع تزايد الاعتماد عليها في المجال الطبي.
خطيئة علمية غابت عن الجدل
وبينت انه بينما كان الجدل محتدما حول أهداف تجربة الباحثة، لم تستحوذ واقعة نشر بحث علمي أشار في مراجعة لهذا المرض على كثير من الاهتمام، رغم أن ذلك أهم مما سعت الباحثة لإثباته في تجربتها، بحسب مديرة مركز التميز للخلايا الجذعية والطب التجديدي بمدينة زويل للعلوم والتكنولوجيا الدكتورة نجوى البدري.
واكدت نجوى أن أنظمة الذكاء الاصطناعي تستقي معلوماتها من الإنترنت، وأنه ليست هناك مفاجأة في استخدامها معلومات عن هذا المرض الوهمي، وأن الشخص الذي قرر الاعتماد عليها تقع عليه مسؤولية التيقن من صحة ما تقدمه تلك الأنظمة من معلومات، لكن الأخطر أن يتعامل باحث علمي مع تلك المعلومات بنفس طريقة تلك الأنظمة، وهو النقل بدون مراجعة لما هو مكتوب.
واضافت نجوى أن هذا السلوك يكشف عن تعامل بعض الباحثين مع ما هو منشور في الدوريات العلمية على أنه "نص مقدس"، مع أن هذا لا يتفق تمامًا مع قواعد وتقاليد البحث العلمي.
وتنص تلك القواعد على أن النقل من دورية علمية واستخدامها مرجعًا يقتضي النظر لقيمة تلك الدورية، ومدى الثقة التي يتمتع بها الباحث في مجتمع البحث العلمي، لا سيما إذا كان الحديث عن مرض جديد، كما يجب في مثل هذه الحالات الانتظار فترة من الوقت للتأكد من أن أعراض هذا المرض تم توثيقها في أكثر من مكان وفي أوقات متباينة.
وبعد أن أسهبت في ذكر تلك القواعد، أضافت نجوى: "للأسف لم يتم تطبيق أي منها، والأكثر غرابة، هو الاستشهاد ببحث لا يزال في مرحلة ما قبل الطباعة، أي أنه لم يخضع لمراجعة الأقران، وبالتالي فإن هذا البحث في ميزان العلم لا يساوي شيئًا، فمثله مثل الاستشهاد بمعلومات تم ذكرها في صفحة على الفيسبوك أو موقع غير علمي".





